انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ياسين غالب  ينسج روايته  "گوگوش، هذه الليلة سجادة فارسية ".

التلغراف
التلغراف
3 دقائق للقراءة
108 مشاهدة
ياسين غالب ينسج روايته "گوگوش، هذه الليلة سجادة فارسية ".
مشاركة:

التلغراف - متابعة

يعود الروائي العراقي ياسين غالب في بثيمة غير مطروقة في الروايات العربية والعراقية  في روايته الجديدة " گوگوش،هذه الليلة سجادة فارسية" إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في الذاكرة الإنسانية: منطقة المنفى، والحرب، والطفولة المبتورة، والحب الذي يؤجلّه التاريخ، والحنين الذي لا تنجح المسافات في إخماده.

الرواية، الصادرة عن دار الرافدين نيسان - إبريل 2026، تبدو في بنيتها رحلةً بين مدن وأزمنة متباعدة، لكنها تلتقي جميعًا في فضاء الذاكرة. من البصرة ورفحاء إلى طهران، ومن ميسيساغا وتورونتو إلى لندن، تتحرك الشخصيات بين الجغرافيا والتاريخ، بينما يظل الماضي حاضرًا كأنه لم يغادر قط. وفي قلب هذا العالم تأتي گوگوش، الفنانة الإيرانية الشهيرة، لا بوصفها شخصية فنية فحسب، بل بوصفها صوتًا للذاكرة، وعلامةً على زمن كامل من التحولات والمنع والاقتلاع والمنفى.

يستند العنوان نفسه إلى صورة شعرية لافتة: “هذه الليلة سجادة فارسية. فالسجادة هنا يمكن أن تُقرأ بوصفها استعارة للذاكرة؛ خيوط كثيرة متشابكة، ألوانها آتية من أماكن مختلفة، وكل خيط يقود إلى حكاية أو جرح أو حب أو مدينة. وكما تُنسج السجادة من تفاصيل صغيرة لتكوين صورة واحدة، تنسج الرواية حكايتها من شظايا الماضي، لتكشف في النهاية أن الإنسان قد يحمل وطنه معه حتى عندما يبتعد عنه آلاف الأميال.

 ليلة كندية باردة تجمع في بودكاست بين گوگوش ولؤي البصراوي ، لكن برودة المكان لا تمنع اشتعال الذاكرة. تتوالى الأحداث كما تتساقط أحجار الدومينو، لتعود الشخصيات إلى أسئلة قديمة لم تجد لها إجابات نهائية. ومن بين هذه الأسئلة يبرز سؤال موجّه إلى گوگوش: هل ما زلتِ تذكرينني؟ وهو سؤال يتجاوز المخاطبة المباشرة ليصبح سؤالًا عن الذاكرة نفسها: هل نتذكر الأشخاص الذين عبروا حياتنا؟ وهل تستطيع الذاكرة أن تنقذ ما عجز الواقع عن إنقاذه؟

في عالم ياسين غالب الروائي، لا تبدو المدن مجرد أمكنة للعيش، بل تتحول إلى خزائن للذاكرة. البصرة تحمل الطفولة والجذور، ورفحاء تستحضر اللجوء والاقتلاع، وطهران تستدعي عالمًا ثقافيًا وفنيًا وسياسيًا كثيفًا، بينما تمثل مدن الشتات الكندي والبريطاني الوجه الآخر للمنفى، حيث يحاول الإنسان أن يبدأ حياة جديدة من دون أن يستطيع التخلص من حياته القديمة.

وتتخذ الرواية من صوت گوگوش مدخلًا إلى عالم أوسع من الغناء. فصوتها، في المخيال الثقافي الإيراني والعربي، مرتبط بمرحلة تاريخية كاملة، ولذلك يصبح حضورها في الرواية جسرًا بين الخاص والعام، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية. وفي هذا السياق، تكتسب صورة «الصوت الممنوع» دلالة عميقة؛ إذ يصبح الغناء فعلًا من أفعال مقاومة النسيان، ويصبح الصمت نفسه جزءًا من الحكاية.

وتكشف الرواية عن  شبكة من التجارب الإنسانية القاسية: الحرب، والطفولة المنع والفن الفارسي والحب المؤجل والترحيل والانتفاضة واللجوء. وهي موضوعات تتقاطع مع التجربة الأدبية لياسين غالب الذي ارتبط مشروعه الروائي بأسئلة الحرية والهوية والمنفى والذاكرة منذ قرر أن يكتب بلاحدود. وقد تناولت قراءات نقدية حديثة تجربته بوصفه كاتبًا عراقيًا من البصرة يعيش في هلسنكي، ويحاول أن يجعل من الكتابة مساحةً للحفاظ على الجذور والانفتاح في الوقت نفسه على ثقافات ولغات أخرى.  ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه الرواية هو أنها تضع القارئ أمام سجادة واسعة من الحكايات: كل مدينة لون، وكل شخصية خيط، وكل ذكرى عقدة، وكل أغنية نافذة على زمن آخر. وفي النهاية، لا يعود السؤال: أين الوطن؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا يبقى من الوطن حين نحمله في ذاكرتنا، ونحاول أن نعيد نسجه بالكلمات؟

بهذا المعنى، تأتي رواية ياسين غالب بوصفها نصًا عن الحنين الذي لا يهدأ، والمنفى الذي لا ينتهي، والذاكرة التي تقاوم المحو؛ رواية تجعل من صوت گوگوش نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين الماضي والحاضر، وبين الإنسان وما فقده، وبين ما يتذكره وما يخشى أن ينساه.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شعرية الخوف

قراءة في شعر يوسف الصائغ للدكتور علي جعفر العلاق
إصدارات

شعرية الخوف قراءة في شعر يوسف الصائغ للدكتور علي جعفر العلاق

طالب كريم عن سلسلة " نقد " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً للناقد الدكتور علي جعفر العلاق كتابه النقدي الجديد الموسوم " شعرية الخوف - قراءة في شعر يوسف الصائغ". شعرية الخوف عند يوسف الصائغ، ليست عنواناً نقدياً عابراً، بل هو مفتاح يضعنا به الناقد…

· 4 د
العمارة والمعمار العراقي ..

في كتاب جديد للباحث : د . علي ثويني
إصدارات

العمارة والمعمار العراقي .. في كتاب جديد للباحث : د . علي ثويني

طالب كريم عن سلسلة " دراسات في العمارة " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً للباحث والكاتب الدكتور علي ثويني كتابه الجديد الموسوم "' العمارة والمعمار العراقي -- دراسة في العمارة "" والعمارة العراقية.. من جغرافيا المكان إلى ذاكرة المعمار. لو أردنا…

· 3 د
كل ما تركناه وراءنا... سقوط الأحلام في زمن الحرب
إصدارات

كل ما تركناه وراءنا... سقوط الأحلام في زمن الحرب

كل ما تركناه وراءنا... سقوط الأحلام في زمن الحرب تأسرني قصص الحروب. دائمًا ما أجد نفسي غارقًا بين صفحاتها، لا أعي العالم من حولي، ولا يشدني شيء سوى ما يجري بين السطور. أعيش بين شخصياتها وأحداثها ومآسيها، وأتنقل معها بين الخنادق والمدن المهدمة وذكريات الذين خرجوا من الحرب، من دون أن يخرجوا منها…

· 4 د