انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أَنَا الْعِرَاقُ..حِينَ يَتَكَلَّمُ الطِّينُ

مَنْدَاسْ غَرِيسِي
مَنْدَاسْ غَرِيسِي

شاعر وأديب جزائري

2 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
أَنَا الْعِرَاقُ..حِينَ يَتَكَلَّمُ الطِّينُ
مشاركة:

مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ الطِّينِ
خَرَجَ الْحَرْفُ،
كَأَنَّ الْأَرْضَ
حِينَ تَعِبَتْ مِنْ حِفْظِ الْحِكَايَاتِ
قَرَّرَتْ أَنْ تَكْتُبَهَا.
هُنَا...
حَيْثُ يَعْرِفُ الْمَاءُ
كَيْفَ يَلْتَقِي بِالتُّرَابِ،
وَتَعْرِفُ السَّمَاءُ
أَنَّ الْإِنْسَانَ
لَيْسَ عَابِرًا
إِذَا تَرَكَ خَلْفَهُ حَرْفًا.
فِي الْعِرَاقِ
لَمْ يَكُنِ الْحَرْفُ زِينَةً؛
كَانَ ذَاكِرَةً.
وَلَمْ يَكُنِ الطِّينُ تُرَابًا فَقَطْ؛
كَانَ صَفْحَةً
تَحْفَظُ مَا كَانَ سَيَسْرِقُهُ النِّسْيَانُ.
وَمَرَّتِ السِّنُونَ...
وَمَرَّتِ الْحُرُوبُ...
وَمَرَّ الْخَوْفُ...
وَبَقِيَ الْحَرْفُ.
وَبَقِيَ الطِّينُ
يَحْفَظُ أَسْمَاءَ مَنْ مَرُّوا.
كَأَنَّ الْأَرْضَ
لَا تَنْسَى
مَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا
أَوَّلَ سَطْرٍ.
وَكُلَّمَا حَاوَلَ الْعَالَمُ
أَنْ يَسْأَلَ الْعِرَاقَ
عَمَّا فَقَدَ،
كَانَ يَسْأَلُهُ
بِلُغَةِ الْجُرُوحِ.
فَيُجِيبُهُ دِجْلَةُ
بِجَرَيَانِهِ،
وَتُجِيبُهُ الْأَرْضُ
بِصَمْتِهَا،
وَيُجِيبُهُ الطِّينُ
بِحَرْفٍ قَدِيمٍ
لَمْ يَمُتْ.

أَنَا الْعِرَاقُ..حِينَ يَتَكَلَّمُ الطِّينُ


العراقُ...
لَيْسَ مَدِينَةً فِي كِتَابٍ،
وَلَا حَضَارَةً مُعَلَّقَةً
عَلَى جِدَارِ الْمَاضِي.
إِنَّهُ إِنْسَانٌ
كُلَّمَا انْكَسَرَ
جَمَعَ مِنْ شَظَايَاهُ
سَطْرًا جَدِيدًا.
وَكُلَّمَا أُغْلِقَ بَابٌ
فَتَحَ مِنْ طِينِهِ
نَافِذَةً لِلْغَدِ.
لِذَلِكَ...
هِيَ لَا تَمُوتُ،
مَا دَامَ فِي أَبْنَائِهَا
قَلْبٌ يُؤْمِنُ بِالْغَدِ.
وَحِينَ يَسْأَلُ التَّارِيخُ:
أَيْنَ بَدَأَ الْإِنْسَانُ
يَكْتُبُ كَيْ لَا يُنْسَى؟
لَنْ يَحْتَاجَ الْعِرَاقُ
إِلَى جَوَابٍ...
سَيَكْفِي أَنْ يَتَكَلَّمَ الطِّينُ.
سَيَقُولُ:
أَنَا الْعِرَاقُ...
هُنَا وُلِدَ الْحَرْفُ،
هُنَا مَشَى الْإِنْسَانُ
خُطْوَتَهُ الْأُولَى
نَحْوَ الْخُلُودِ،
هُنَا عَانَقَ الْمَاءُ التُّرَابَ،
وَهُنَا بَدَأَتِ الْحِكَايَةُ...
وَمِنْ هُنَا
لَمْ يَنْتَهِ الْكَلَامُ.
خَاتِمَةُ الدِّيوَان
ربما بدأ هذا الديوان من سؤالٍ عن الوطن، لكنه انتهى بسؤالٍ أوسع:
ماذا يبقى من الإنسان حين يمضي؟
قد يبقى حرفًا.
وقد تبقى يدًا مدت كأس ماء إلى عابرٍ عطشان.
وقد تبقى امرأةً تمشي في الحقل، فتتبعها رائحة الخبز.
وقد يبقى حجرًا في جدارٍ قديم.
وقد تبقى كلمةً لم تُقَل.
وقد يبقى وطنًا كاملًا في قصيدة.
لذلك لم يكن الشعر هنا بحثًا عن الكلمات وحدها، بل بحثًا عمّا تستطيع الكلمات أن تنقذه من النسيان.
فالجزائر ليست في الخرائط وحدها.
وفلسطين ليست في الأخبار وحدها.
والعراق ليس في كتب التاريخ وحدها.
والمرأة ليست في الصورة وحدها.
والحرف ليس في صوته وحده.
هناك دائمًا معنى آخر يسكن خلف الظاهر.
وحين ينتهي الحبر...
يبقى الأثر.
وحين يصمت الشاعر...
تبدأ القصيدة في قلب القارئ.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:١٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د