انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

احتراق غير معلن

يوسف الفرساوي
يوسف الفرساوي

قاص وأديب مغربي

5 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
احتراق غير معلن
مشاركة:

1.

أقترب من زقاق سكناي مترجلا على دراجتي الهوائية التي فقدتُ جزءا من شرفي للحصول عليها، أسمع أصواتا تتعالى قادمة باتجاهي، لم أعتد على سماعها هنا فارتسمت علامات الاستغراب على محياي، اندفعتُ إلى زقاقنا، رمقتُ أناسا كُثر أمام بيتنا، فوقفت هنيهة أحدق في الجمهور الذي يتوسطه أبي وأمي، والعار باديا عليهما، يستمعان بخجل إلى سيدة وهي تمطرهما وابلا من التهديد ممسكة يد ابنتها البريئة على حد وصفها.

نزال غير متكافئ على الحلبة، وعيون الحاضرين تترقب النهاية، استجمعت قواي للركض، ظنا مني أن الأسرة تخوض معركة إثبات ذاتها ككل مرة تحتاج إلى ذلك، صاح أحدهم:

ـ "ها هو جا"

التفت الجميع إلي، وتعالت الأصوات:

ـ "لا مايمكنش يديرها... كيبان ترونكيل"

ـ "حشومة عليه"

ـ "ملقا غير هاد البنت مسكينة يتعدى عليها"

ولجت الحلبة بدون استئذان، كانت نظرات أبي إلي مليئة بالاستهجان والانكسار، رفع يده اليمنى صفعني حتى تردد صوتها بين الحضور،  ساد صمت عنيف في الزقاق ولم يسمع حينها غير أنين انكسارات داخلية، رفعت رأسي محاولا الاستفسار عما يجري، بصق في وجهي فانسابت خيوط اللعاب على خذي، هذه المرة كانت أصوات القهقهة تسمع، والانفجارات داخلي تتوالي منذرة بانهيار غير متوقع، لم يكتف بذلك وقال:"كلب" وأضاف:

ـ "يا خسارة الماكلة اللي وكلتك".

تركت الجميع في اندهاش وهرولت إلى غرفتي بالطابق الثاني، بعضهم فسر انسحابي ضعفا وبعضهم فسره تربية حسنة، وما بين الضفتين مشاعر تتأرجح بين الانكسار والانهيار، استخرجت حقيبتي الجلدية لأضع فيها ما تيسر من أغراضي الشخصية فعاد بي قطار الذكريات حينها إلى اليوم الذي اشتراها لي هذا الذي كنت أناديه "بابا"، ركلتها بدون شفقة فاصطدمت بمرآة الغرفة... المرآة التي تمنحني بعض الأمل في أحلك حالاتي النفسية، رأيت بعض الشقوق تخترقها، حاولت التأكد من ذلك فاقتربت أكثر، حدقت بعمق في شكلي، كرهته، لكمتها بيدي، لم يسمع انكسارها كانت الأصوات داخلي أقوى.

غرقت في دمائي،  حاولت انتشال جسمي منها، كانت الدموع المتحجرة على ضفاف جراحي تمتنع، بحثت عن ضمادة لأضمد بها جراحي الخارجية ومن سيضمد جراحي الداخلية؟.

خلعت الثياب التي تغطي جسمي هي الأخرى لأنها من ماله، ولكن كيف أزيل جيناته التي ستلاحقني إلى الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها؟ استجمعت قواي بحثت عن شيء أملكه بهذه الغرفة اللعينة، لم أجد أي شيء يشعرني باستقلاليتي، رمقت قميصا بسرواله وصلني هدية، ارتميت عليه، حضنته، لم أتذكر صاحبه، ارتديته وغادرت...حتى الهاتف تركته بالغرفة.

2.

سنوات مرت بتفاصيلها الشوكية وأنا على حافة الصبر أنتظر بانكسار قدوم نسيم يذكرني بلحظات هاربة من زمن الطفولة الوردي، كلما ولجت البيت قادما من عملي انزويت في ركن هذه النافذة حتى صرت عارفا بكل تفاصيل الشارع أمامي، ألوان جدرانه وأصحاب محلاته وتوقيت قدوم زبنائه وشجار أطفاله وتسكع متشرديه ومرتادي حاناته.

طوال هذه المدة أحسب الدقائق والساعات والأيام ولا أعرف لماذا؟  من العمل إلى النافذة ومن النافذة إلى العمل، كرهت هذا الروتين الذي صار يؤرقني متحملا الكثير من الألم الذي تطبعت معه ولم أعد أشعر بالخدوش التي يحدثها.

خُرِّب كل ما بداخلي، أتخبط في حطامي أينما حللت وارتحلت، فكرت في البوح لأحد لعل الألم يكف عن النهش، ولكنني فشلت في ذلك، وجدت الأحزان تحيط بي من كل جانب....إنني أتنفس بصعوبة تحت الماء... الماء الذي غطى الأخضر واليابس.

بيتي مستنزف، لا مذياع ولا تلفاز حتى المصابيح يؤرقني ضياؤها فأمتنع عن إشعالها، لا أقرأ... ولكن الجرائد والكتب منتشرة هنا وهناك، تجدها بين الأواني وفي ثنايا البطانيات وعلى الرفوف، أكتفي بالنظر إلى الأغلفة والصور لعلي أجد ما يذكرني بأمي... نعم... تقريبا أجد تفاصيل أمي في كل الصور وحتى بين الكلمات، لاحقا اكتشفت أن الخوف من فقدان بعض ملامح صورتها هو الدافع وراء التشبث بكل هذا... فضحكت حد الانهيار اعتقادا مني أنني مريض أتنفس تحت الماء.....

3.

اشتقت لأمي... هي الجملة الوحيدة القادر من خلالها التعبير عما يخالجني بصدق، كنت دائم التفكير فيما يمكنني فعله لو قدر الله وتوفي أبي الذي أحبه أكثر مما يحبني، ولكن بصدق لم أفكر يوما في إمكانية مغادرة أمي، أو بالأحرى لم أقنع نفسي يوما بإمكانية مغادرتها.

اليوم ابتعدت عنها، ولا أعرف كيف سأعيش دونها؟ أكتب لها يوميا رسائل ورقية، وصلت إلى السادسة وسأواصل بدون كلل أو ملل، أخبرها بما فعلته هذه المدينة بي، وبما اقترفته في حق نفسي، ولكنه الجرم الذي يمكنني اقترافه إذا تكرر نفس المشهد.

صورة أمي لا تغادر جدران البيت، أشكو لها يوميا ما يقع لي شفهيا وورقيا، أدردش معها كما كنت قبل مغادرتي البيت، أفتح النافذة تتراءى لي في جدران بيوت الجيران الذين لا أعرفهم،أنادي عليها دون وعي كلما ولجت البيت، وأحيانا أكرر النداء، وقد أصرخ... ولكن لا من مجيب.

في هذه البقعة المتوحشة أشعر بخيبة كبيرة كشمعة ضحت بنفسها من أجل شخص أعمى، كانت قسوة المحيطين بي تصلني واضحة، فهمت أنني أُرى صخرة صلبة والكل يخاف الاقتراب منها صغارا وكبارا ذكورا وإناثا.

اشتقت للبحر... ورغم تواجدي بهذه المدينة الساحلية فإنني لم أزره من قبل، كانت البداية والنهاية ذلك اليوم الذي ضاق فيه صدري وشعرت بألم الاختناق، في ذلك المساء فكرت في كل شيء وسيناريوهات مغادرتي البيت لم تفارقني، لا أصدقاء لي ولا معارف ولا أريدهم بحياتي، قررت التسكع بالكورنيش والجلوس بالشاطئ لعل الألم يقل، ارتديت ما وجدت أمامي كما أفعل كل اليوم، ابتسمت حينها لأنني سأرى البحر عن قرب وأشكو له لعله يثق بي ويحدثني عن بعض أسراره.

بعد وصولي إلى البحر تجولت قليلا بالكورنيش مستمتعا بالجو المسائي الذي يغري بالتأمل مع غروب الشمس، وقفت مرارا أتساءل:" كيف يلتهم البحر الشمس؟"، اشتريت بعض القراطيس الخاصة بالمكسرات لأكسر بها الوقت الذي يأبى الإسراع، واخترت مكانا حيث الأمواج المتلاطمة مباشرة، وجلست واضعا أمامي قراطيس المكسرات.

استخرجت هاتفي، والتقطت بعض الصور للاحتفاظ بها في سجل الذكريات، عندما رفعت رأسي إلى البحر وجدت أمي تداعب الأمواج، كانت قريبة مني بشكل كبير وتبتسم لي، استغربت، التفت يمينا ويسارا، كان الجميع قد اختفى، وابتسمت...

وقفت متلهفا لعناقها،  لم أستطع انتظار وصولها فهرولت بحرا للوصول إليها، كلما اقتربت منها ازدادت ابتعادا، أسمع صراخا خلفي لم أعره اهتماما لتأكدي من خلو الشاطئ، كان ضجيجهم يؤرقني، قررت الالتفات، وجدت بعض الأشباح تلوح لي، كان رأسي فقط من يراهم أما جسدي فقد ابتلعته صورة أمي...

مشاركة:

آخر تحديث: ١٧ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٥٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د