انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

العمر الذي تأخر

زيان معيلبي
زيان معيلبي

شاعر وأديب جزائري

4 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
العمر الذي تأخر
مشاركة:

فتحت باب مكتبي وجلست خلف الطاولة.. وضعت حقيبتي إلى جواري.. رتبت الأوراق أمامي بطريقة آلية.. ثم نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار.

الثامنة تمامًا..

كما كل يوم.

مددت يدي إلى فنجان القهوة.. كان باردًا.

لا بأس..

القهوة الباردة تشبه أشياء كثيرة في حياتنا.. أشياء تركناها طويلًا حتى فقدت حرارتها.. ثم عدنا إليها متأخرين.. فلم نجد فيها إلا طعمًا غريبًا.

دخل الموظف.

صباح الخير..

أجبته دون أن أرفع رأسي.

صباح الخير.

خرج.

ثم دخل آخر..

ثم ثالث..

ثم بدأت الأوراق تتكاثر فوق مكتبي، كأنها تعرف أنني لا أملك الشجاعة لرفضها.

توقيع هنا..

ختم هناك..

ملف يحتاج إلى ملف..

وطلب يحتاج إلى جواب..

وجواب يحتاج إلى توقيع..

وهكذا تدور العجلة.

كنت أحيانًا أتساءل:

متى بدأت هذه العجلة؟

ومن الذي وضعني داخلها؟

حين كنت صغيرًا.. كنت أظن أن الحياة شيء آخر.

كنت أركض في الحقول دون أن أعرف إلى أين أذهب.. وكان يكفيني أن أركض.

كنت أعود إلى البيت وثيابي ملطخة بالتراب.. فتغضب أمي.

كنت أضحك.

كانت تضرب كفي بخفة.. ثم تضع الطعام أمامي.

كل شيء كان بسيطًا.

حتى الحزن كان بسيطًا.

كنت أبكي لأن لعبتي انكسرت.. ثم أنساها بعد دقائق.

أما الآن..

فأنا أملك أشياء كثيرة..

ولا أعرف لماذا أشعر أنني فقدت كل شيء.

رفعت رأسي نحو النافذة.

الشارع مزدحم.

سيارات..

أشخاص يركضون..

أصوات أبواق..

وجوه متشابهة..

كل واحد منهم يحمل شيئًا لا يراه الآخرون.

قلت في نفسي:

ربما نحن لا نعيش..

ربما نحن فقط ننتقل من موعد إلى موعد.

من باب إلى باب.

من وظيفة إلى وظيفة.

من عمر إلى عمر.

رن الهاتف.

زوجتي.

نظرت إلى الاسم طويلًا.

لم أجب.

لم يكن بيننا خصام.

وهذا هو المؤلم.

لم نعد نحتاج إلى الخصام كي نبتعد.

يكفي أن يصبح الصمت عادة.

وضعت الهاتف جانبًا.

ثم جاءتني صورة قديمة في ذاكرتي..

كنت واقفًا أمام بيتنا القديم.

وكانت هي هناك.

ليلى.

كانت تضحك لأنني أخبرتها أنني سأصبح كاتبًا ذات يوم.

قالت:

ستكتب عن ماذا؟

قلت:

عن الناس الذين لا يعرفون لماذا يعيشون.

ضحكت.

وقالت:

إذن ستكتب عن نفسك.

كنت يومها أظنها تمزح.

لم أكن أعرف أن بعض الكلمات لا تنتهي حين تقال.

تظل مختبئة في مكان ما..

ثم تعود بعد عشرين عامًا..

لتضع يدها على كتفك.

وتقول:

ها أنت ذا.

أين الكتاب الذي وعدتني به؟

أين الرجل الذي كنت تريد أن تكونه؟

أين ذلك الصبي الذي كان يركض في الحقول دون أن يخاف من الطريق؟

أغلقت عيني.

للحظة واحدة فقط..

سمعت صوت أمي.

يا بني..

تعال قبل أن يبرد الطعام.

فتحت عيني بسرعة.

المكتب أمامي.

الأوراق أمامي.

الفنجان البارد أمامي.

ولا أمي هناك.

ولا الحقل.

ولا البيت القديم.

ولا ليلى.

كلهم ذهبوا..

وبقيت أنا.

وهذه ربما هي العقوبة الكبرى..

أن يبقى الإنسان حين يذهب كل ما كان يمنحه معنى للبقاء.

نهضت من مقعدي.

لم أعرف لماذا.

جمعت أوراقي..

وضعت القلم في جيبي..

خرجت من المكتب.

سألني أحدهم:

إلى أين؟

قلت:

إلى البيت.

قال:

ما زال أمامك عمل.

نظرت إليه.

ابتسمت.

قلت:

وأمامي أيضًا عمر..

ولا أعرف كم بقي منه.

نزلت الدرج.

كان المساء قد بدأ يهبط على المدينة.

مشيت دون سيارة..

دون هاتف..

دون أن أعرف إلى أين ستأخذني قدماي.

مررت بالشارع القديم.

ثم توقفت.

كان هناك دكان صغير لم يعد موجودًا.

مكانه بناية عالية.

وقفت أمامها طويلًا.

هنا كانت شجرة التوت.

وهنا كان بيتنا.

وهنا كانت أمي تجلس عصر كل يوم.

وهنا..

هنا كنت أنا.

ابتسمت.

ثم شعرت بشيء دافئ يسيل على خدي.

مسحته بيدي.

دمعة.

استغربت.

أنا الذي لم أبك منذ سنوات..

أبكي الآن أمام بناية لا تعرفني.

تابعت السير.

لم أكن أعرف أنني كنت عائدًا إلى البيت..

كنت أعود إلى شيء أقدم من البيت.

إلى نفسي.

وعندما وصلت، فتحت الباب.

كانت زوجتي في المطبخ.

رفعت رأسها وقالت:

تأخرت.

نظرت إليها طويلًا.

ثم قلت:

نعم.

قالت:

العشاء جاهز.

جلست إلى المائدة.

كان أولادي يتحدثون ويضحكون.

راقبتهم بصمت.

وفجأة أدركت شيئًا بسيطًا..

كنت أبحث طوال هذه السنوات عن حياة أخرى..

بينما كانت حياتي جالسة أمامي.

مددت يدي إلى الطعام.

ثم قلت لزوجتي:

غدًا..

سنخرج جميعًا.

نظرت إليّ باستغراب.

قلت:

لا أعرف إلى أين..

لكننا سنذهب.

ضحكت.

ضحكت أنا أيضًا.

وفي تلك اللحظة فقط..

شعرت أن العجلة توقفت.

ولو للحظة.

وربما..

كان ذلك هو العمر الذي تأخر كثيرًا..

لكنه لم يفت بعد.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٣٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د