انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يقود القلب لا القدم.. تانغو العلاقات

اكرام زين الدين
اكرام زين الدين
3 دقائق للقراءة
152 مشاهدة2 تعليق
حين يقود القلب لا القدم، تانغو العلاقات
مشاركة:

حين يلتقي راقصان على أرضية التانغو، لا تبدأ الرقصة بالخطوة، بل بالإصغاء. كل منهما يستمع إلى الآخر بجسده قبل أن يتحرك، يقرأ توتر يده، ثقل خطوته، لحظة تردده. وهكذا كل علاقة حقيقية بين طرفين تبدأ بالإصغاء لا بالكلام.
في التانغو،
أحدهما يقود والآخر يستجيب،
لكن القيادة هنا ليست سيطرة،
والاستجابة ليست خضوعًا. إنها حوار صامت، كل طرف يمنح الآخر مساحة ليكتمل فيها. لو حاول أحدهما أن يفرض إيقاعه وحده، تعثرت الخطى وتحوّل الانسجام إلى تصادم. وكذلك العلاقات ،حين يريد طرف أن يقود كل شيء دون أن يترك للآخر مجالاً، تفقد العلاقة رشاقتها وتتحول إلى عبء.
الجميل في التانغو أن المسافة بين الجسدين قريبة جدًا، لكنها مسافة تحترم استقلالية كل راقص. يقتربان دون أن يذوب أحدهما في الآخر، ويتحركان معًا دون أن يفقد أي منهما توازنه الخاص. وهذه، ربما، أدق صورة للعلاقة الناضجة،قرب يحفظ الحدود، واندماج لا يُلغي الذات.
وكما تحتاج الرقصة إلى إيقاع موسيقي يجمعهما، تحتاج العلاقة إلى إيقاع مشترك من الثقة، والقدرة على صناعة إيقاع واحد من اختلافين، وتحويل التوتر بينهما إلى توازن، والمسافة إلى قرب، والصمت إلى لغة.والا تصبح الحركة مجرد أداء، لا رقصًا.
وحين تنتهي الموسيقى، ينحني الراقصان أحدهما للآخر، لا احتفاءً بالخطوات التي أُتقنت فحسب، بل شكرًا على الثقة التي جعلت الجسدين يتحركان كواحد لدقائق معدودة. وكذلك في العلاقات، الامتنان لا يُقاس بما تحقق من كمال، بل بما مُنح من ثقة، وما بُذل من إصغاء، وما تَحَمّله كل طرف من هشاشة الآخر ليجعل منها معًا، رقصةً لا تشبه إلا نفسها.

حين يقود القلب لا القدم، تانغو العلاقات

وفي التانغو أيضًا، لا يُطلب من الراقص أن يعرف الخطوة التالية بيقين، بل أن يكون جاهزًا لها. القائد يقترح، والتابع يفسّر الاقتراح بجسده، وبينهما مساحة من عدم اليقين تصنع التوتر الجميل الذي يجعل الرقصة حيّة لا آلية. العلاقات الناضجة تشبه ذلك: لا يُشترط أن يعرف الطرفان كل تفاصيل الغد، بل أن يثقا بأنهما سيجدان الخطوة المناسبة معًا حين تأتي، وأن يقبلا هذا القدر من المجهول كجزء من جمال السير معًا لا كتهديد له.
وثمة في التانغو خطأ شائع يقع فيه المبتدئون: أن يحاول أحدهما تصحيح خطأ الآخر في منتصف الرقصة، فيتوقف الجسدان عن الحركة ويتحول الحوار الجسدي إلى جدل. أما الراقص الماهر فيعرف أن الخطأ يُستوعب لا يُصحَّح فورًا، يُدمَج في الحركة التالية حتى يبدو وكأنه كان مقصودًا. وهذا، ربما، أصعب دروس العلاقات: أن نتعلم استيعاب زلات من نحب أثناء السير معهم، لا التوقف لمحاكمتها، فالحياة – كالرقصة – لا تُعاد خطواتها إلى الوراء، بل تُكمَل إلى الأمام بحكمة من يعرف أن الانسجام لا يعني الكمال، بل القدرة على تحويل العثرة إلى جزء من الإيقاع.
وحين تنتهي الموسيقى، ينحني الراقصان أحدهما للآخر، لا احتفاءً بالخطوات التي أُتقنت فحسب، بل شكرًا على الثقة التي جعلت الجسدين يتحركان كواحد لدقائق معدودة. وكذلك في العلاقات، الامتنان لا يُقاس بما تحقق من كمال، بل بما مُنح من ثقة، وما بُذل من إصغاء، وما تحمّله كل طرف من هشاشة الآخر ليجعل منها معًا، رقصةً لا تشبه إلا نفسها.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د