انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

صنعاء في ربيع الحبيب

مصطفى عبدالملك الصميدي
مصطفى عبدالملك الصميدي

شاعر وأديب يمني

3 دقائق للقراءة
20 مشاهدة
صنعاء في ربيع الحبيب
مشاركة:

ها هي غرة ربيع الأول تنبثق من جسد الحياة مِشكاة كبرى تطلّ على الدنيا لتبدد عَتماتها الجاثمة على الأرواح والقلوب. مشكاة يزداد نورها تألقاً وبهاء كلما مرت الأيام نحو الحدث الكوني الأسمى في تاريخ البشرية جمعا؛ ألا وهو يوم ميلاده المهيب: حبيبنا المصطفى عليه صلوات ربي وسلامه عليه، الذي لم يكن حضوره في روزنامة التاريخ مجرد ورقة زمنية تنتهي إذا ما حان ميقاتها، إنما كان ثابتا كالراسيات، دائما كالشمس، متدفقاً كالدم في شرايين الكائنات. محمد ذلك الربيع الوارف في جلِّ الفصول، ومطلع الواحات في جدب الفيافي، وانهمار الأُنس في تلافيف الخلاء. محمد إكسير ضوء كلما اختل توازن الحدقات في عيوننا، وأثير خفقٍ كلما ضرب آذاننا الوَقر؛ بنوره نرى الأشياء بجمالها المبين، وبذكره يتفتق في ألبابنا الشجر الخاوي.

في هذا الميقات الجليل، تسكب صنعاء—قلب الأبد ومِخيال السماء—قيامة روحها، فتخلع سرابيل التراب وتستحيل بأسرها قصيدةً زمردية تستنزل خضرتها من سدرة الملكوت، لتغدو المدينة من الأفق الأعلى، جسداً جغرافياً مصنوعاً من سندس الملائكة وإستبرقها، مقروءاً بمدائحهم وصلواتهم المتواترات.

ها هي مدينة سام بن نوح، تنسج من سناء الزمرد شَالها العريق، لتحمل على كتفيها ربيع الحبيب مبجلاً بالحفاوة والذكرى. يتسامق قرميدها المعجون ببلسم التاريخ والإنسان، مشغولاً بأكواب نورٍ يسيل منها سحر الأخضر العالي، لتتجلى أمام بصائرنا قامات العمارة كأنها قِطع فسيفسائية نورانية تشكلت من الوجه الآخر للأفق البعيد. هناك، تحت أجنحة الصفاء النبوي، يأفل المعنى السطحي للألوان؛ إذ تقف المآذن الشامخة كمجرات زبرجدية على صدر المسافات لتُبدد الوجه المتجهم للأرض، وتتشابك قِبابها المشحونة بقلائد الضوء مع سحب السماء، ليتشكّل بعدها تناسق المدى في أجواء روحانية لا مثيل لها، تجعلك تحس وكأنك في موعد لقاء مع النبي الأعظم حقيقة لا احتفالاً. حينها يخال لك وأنت تنظر إلى الأزقة والشوارع أن ما تراه محض حرير صُبّ من أثير الضياء المعتق بالاخضرار، وأن هذه الأرض - ببساطة المعنى - مشتل أبدي لنور محمدي، وواحة لا يمس خضرتها جفاف الزمن، ولا يطفئ بريقها تقلب الأحوال.

كل شيء هنا متآلفٌ بالحب العميق لرسولنا الأعظم، حتى الحجارة الصامتة لها لسان إفصاح وتبجيل. هنا نمحو أثر السنين الخوالي التي قضيناها متطبعين بثقافات دخيلة ما كان فيها للنبي ذكرٌ ولا إحياء. أمَا ترى المدينة تفجِّر نبضها الجيولوجي العميق وتستنطق تاريخها الضارب في القِدم؛ فتشع الجبال الملتفة حولها كأنها حُراس من الملائك يتنسكون في محراب هذا النور؟! أليس ما تحِيكهُ من ملاحم بصرية تحاور النجوم تعبيراً عن عراقتها وأصالتها الدينية المتجذرة في منهجية الولاء وقدسية الإحياء؟ تلك هي صنعاء في ربيع الحبيب: مدينة تضيء من ذاكرتها وتخضر من محبتها وتستعيد من أعماقها صوتاً عتيقاً ما يزال قادراً على أن يوقظ في الأرواح أجمل ما فيها. مدينةٌ كلما ازدحمت عليها عواصف الأيام، احتمت بسيرة المصطفى، وكلما أثقلها التراب، رفعتْ وجهها نحو السماء؛ لتقول إن للنور مواسم... نعم، لكنه لا يغيب، وإنَّ للربيع موعدٌ في روزنامة الأيام لكنه إذا سكن القلوب صار فصلاً لا ينتهي.

لذا يجيء ربيع الأول كمرآة كبيرة نرى فيها ما نحن عليه وما ينبغي أن نكونه. تمر أيامه وتبقى المعاني. تخفت الأضواء وتبقى السيرة عالقة في أذهاننا. تسكن الأناشيد ويبقى النداء الأعمق في القلب: أن نكون أقرب إلى أخلاق من أحببناه وأصدق في اتِّباع من ملأتْ محبته أفئدتنا. حينئذ يصبح محمد صلى الله عليه وسلم حاضراً فينا لا في احتفالنا فحسب؛ حاضراً في الرحمة التي نمنحها وفي اليد التي نمدها وفي الكلمة الطيبة التي نقولها وفي الظلم الذي نرفضه وفي الإنسان الذي نصون كرامته.

ختاماً، إن هذا الإحياء هو الفجر النديّ الذي يربت على قلوبنا العطشى، فيمسح عنها وعثاء السنين، لينهمر في أعماقها الحب والحياة كما ينهمر المطر على أرض يباب؛ فنورق بالجمال، ويصبح ذكر الحبيب - صلوات ربي وسلامه عليه - لغة جامعة تتجاوز الأمزجة والأجيال.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د