انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عصفور الغربة

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

3 دقائق للقراءة
27 مشاهدة
عصفور الغربة
مشاركة:

حدّث نفسه وهو يرفع رأسه المتعب إلى زرقة السماء الصافية:
"إن الحياة أحياناً تبدو قاسية وظالمة".
كثيراً ما حاول أن يتألقم مع الغربة، يعاندها,يتناساها، يتغلب عليها، لكنه كان دوماً ضائعاً في أتونها, وغارقاً في خضم الهواجس والقلاقل.
الأفكار تتضارب في رأسه، وكل شيء من حوله بارد وصامت, إحساس غريب يكتنفه ويشده إلى بئر سحيقة بلا قعر، الصمت لغته الوحيدة، كثيرا ما حاول أن يفجره، ولكن في كل مرة يكون الفشل من نصيبه,الوحدة تحطم أعصابه، وقلبه يخفق ويشتد وجيبه ، فلم يجد بداً من الخروج إلى الشارع الذي يصب عليه شلالاً يثير عواصف إحساسه بالنزف والبكاء والشعور برهبة الزمن والضجيج العاري بلا أجنحة.
كان يوما جديداً، يوم لا يختلف عن غيره من الأيام المهلكة، في ذلك اليوم كانت ملامحه كلمات بلا نقط، حين ارتسمت على جمرة القلب كل خرائط الحنين، قرر أن يبحث عن شخص ما, يؤنس وحدة روحه الحزينة، يقاسمه المعيشة، الغربة، مرارة الفراق، الشوق للأحبة، ويشاركه ما يجيش بين جوانحه, حينئذ، سيتخلص من وحدته وغربته ومرارة أيامه.
لم يدر كم من الوقت مضى وهو يبحث بأفكاره عن الشخص الذي يرضى أن يشاركه في ما يدور في أعماقه، وإزاء الضغط النفسي الرهيب، حاول أن يجمع شتات أفكاره من جديد، تذكر أحد زملاءه، فأنشد لنفسه سبيلاً من فرح، هو الشخص الوحيد الذي سيعطيه أذنيه ، انه يفهم معنى الغربة لأنه مثله غريب عن هذه البلاد، وبالتالي سينصت له باهتمام.
في الصباح الباكر دخل عليه وقد داهمه تعب واضح، وجده منهمكا مع الآلات وضجيجها، شعر بتيبس في حلقه كأنه دهن بالسخام كما كان يحدث عندما اعتاد أن يصفف خيوط النسيج في بلده، دارت عيناه في المكان، ثم حاول أن يلفت انتباه صديقه إليه، وقف أمامه مثل عصفور كسير الجناح، نظر إليه كمن يلتقي حبيباً فقد آثاره منذ سنوات طويلة ، اقترب منه دون أن يخفي ثمة جرحا مباغتاً، وعندما لم يهتم به، رفع صوته ليتغلب على ضجيج الآلات:
ـ أشعر بالوحدة وأريد أن تشاركني في مسكني.
وقال كلمات رقيقة، عن عذابه، وأشواقه التي ازدادت تجاه وطنه وأهله وأصدقائه، غير أن زميله لم يهتم به بل تابع عمله.
بقلب مثقل بالهموم قال وعلى كلماته تلمع أطياف رجاء:
ـ لماذا لا ترد؟
دون أن يلتفت إليه قال بخشونة بالغة:
ـ دعك من هذه الأوهام.. أريد أن أنجز ما تحت يدي بسرعة فأنا على موعد هام بعد قليل.
لم يكن يتوقع من مَن يقاسمه الغربة أن يرجمه بقسوته، وأن يكون بلا ملامح.
حاول من جديد أن يتكلم, لكن الكلمات توقفت في حلقه، وذاب الحديث الذي أعده في ذاكرته، غيوم سوداء كثيفة، سماكتها آلاف الكيلو مترات اكتسحت آفاقه، عواصف وزوابع عبثت بكل شيء من حوله، ظل ثابت القسمات للحظة، ثم أجال بصره من حوله كأنما يبحث عن شيء مفقود، ثم سار عائداّ في شرود وفي عينيه حزناً بحجم الكرة الأرضية، واغرورقت عيناه بدموع ساخنة سكبها على وسادة الغربة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٢١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د