انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مفتاحٌ في جيبي لا يفتحُ باباً

هيفاء نور الدين
هيفاء نور الدين

شاعرة وأديبة ليبية

2 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
مفتاحٌ في جيبي لا يفتحُ باباً
مشاركة:

أحمل في جيبي مفتاحاً لا يفتح باباً.
مفتاحاً صدئاً، لبيتٍ هجره أهله وبقيت رائحته.

أحمله منذ عشرين عاماً، لا لأعود، بل لأتذكر أنني كنت هناك يوماً.
أن لي مكاناً كنت أنتمي إليه قبل أن تصبح كل الأماكن محطات انتظار.

في جيبي مفتاح، وفي قلبي بيت.

بيتنا القديم لم يكن كبيراً. غرفة لأمي، وغرفة للضيوف الذين لا يأتون، وساحة صغيرة فيها شجرة تين كسولة، ورائحة خبز لا تشيخ.
كانت أمي تقول: البيت ليس جدراناً، البيت هو من ينتظرك إذا تأخرت.
والآن... لا أحد ينتظر. الجدران وحدها تنتظر، وهذا أقسى أنواع الانتظار.

يقولون لي: انسَ.
كيف أنسى والذاكرة ليست في رأسي؟ الذاكرة في أنفي، في رائحة التراب بعد المطر الأول، في صوت جارتنا وهي تنادي على ابنها، في طعم الماء من جرة الفخار.
كيف أنسى ما لم يعلمني أحد كيف أتذكره؟

أنا لا أكتب عن الحنين، أنا أكتب عن الخسارة التي ترتدي ثوب الحنين لتكون أقل قبحاً.

سافرت كثيراً. رأيت مدناً مضيئة، وشوارع نظيفة، وبيوتاً لا يدخلها الغبار.
لكني لم أجد حارة تضيق حتى تتسع لنا جميعاً.
لم أجد نافذة تُترك مفتوحة للجيران.

هنا في المنفى، كل شيء مغلق بإحكام. الأبواب، القلوب، النوافذ.
حتى أنا، صرت مغلقاً بإحكام.

أخرج المفتاح من جيبي كل ليلة. أقلبه في يدي. أسأله:
أي الأبواب كنت تفتح؟
باب المطبخ حيث كانت أمي تعجن الصباح؟
باب السطح حيث كنا ننام تحت النجوم ونظن أننا نملك السماء؟

لا يجيب. المفاتيح لا تجيب. هي فقط تذكرك بأن الباب كان موجوداً.

أيها البيت البعيد،
لم أخنك حين خرجت. خنتني أنت حين بقيت جميلاً في ذاكرتي أكثر من الواقع.
وها أنا لا أستطيع العودة إليك، ولا أستطيع أن أسكن بيتاً آخر.

فليبق المفتاح في جيبي
ثقيلاً، صدئاً، بلا فائدة
مثل قصيدة عن وطن لا يقرأ

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د