انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أقفاص الكلمات

كفاح الزهاوي
كفاح الزهاوي
2 دقائق للقراءة
43 مشاهدة
أقفاص الكلمات
مشاركة:

    في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري.

    السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل يبيع شرعيةً مغلّفة بالقداسة، حيث يتحوّل النص إلى سلعة، والإنسان إلى هامشٍ في كتابٍ لا ينتهي.

 

دخل الراوي الساحة بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تحمله. كان الهواء مشبعًا برائحة الورق المحترق، والكتب الممزقة تتطاير كأجنحةٍ مكسورة. وقف أمام قفصٍ من الكلمات، حيث امرأة تحدّق فيه بعينين لا تعرفان النوم، كأنها تسأله بصمتٍ:

ــ هل أنا نصٌ أم إنسان؟

 

اقترب أكثر، فسمع أصوات الباعة تتداخل مع تلاواتٍ قديمة، كل صوتٍ يعلن أن البيع مباح، وأن الأسر شرعي. لكن في داخله ارتفع صوتٌ آخر، لم يكن صوتًا بشريًا بل صدى الحرية نفسها، يقول:

ــ الكلمات ليست قدرًا، إنها أقفاص، وإن كسرتَها عاد الإنسان إلى نفسه.

 

فجأة، ارتفع صوت الحرية كريحٍ عاتية، فاهتزت الأقفاص المصنوعة من الكلمات، وتساقطت الحروف على الأرض كرمادٍ بلا معنى. الباعة تراجعوا مذعورين، والنساء خرجن من ظلالهن كأطيافٍ تستعيد أسماءها.

لم يكن السوق بحاجةٍ إلى سيوفٍ أو جدرانٍ لتنهار، بل إلى كلمةٍ واحدة تُقال بصدق:

ــ الإنسان ليس نصًا، بل حياة.

 

حين انطفأت الأضواء، لم يبقَ في الساحة سوى فراغٍ واسع، كأن الأرض نفسها تنفست أخيرًا. وقف الراوي في الوسط، ينظر إلى الرماد المتناثر، ويسأل نفسه:

ــ هل انتهى السوق فعلًا، أم أن النصوص ستعود لتبني أقفاصًا جديدة؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:٣١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د