انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الحزن

هبة علوان
هبة علوان

كاتبة وأديبة عراقية

2 دقائق للقراءة
77 مشاهدة8 تعليق
الحزن
مشاركة:

لا يمكن للحزن أن يرتقي بصاحبه ليغدو شاعراً أو رساماً أو ذو مهارة تصله بالحياة بخيوطها البهية، من غير المنطقي أن يعيش المرء ثقلاً لا يقوى على حمله فيتقيئه على الورق في الأوان نفسه، من المرجح أنه لن تستطع أن تزهر فكرة ما من رأسك دون أن تهشمه، ولا أن يخرج وجعاً من أضلعك دون أن يجعلها تتشظى ألماً، يطفئ الحزن سراج صاحبه حتى يغدو شقيق الموت، يكبس الأسى على قلبه حتى يمتصه لآخره فيصبح المرء ميتاً يتنفس، لا شعر يحييه ولا رسماً ينقذه.

يفقد به سماته وصفاته، ويستنزف مهاراته كما لو أن يداه مثقوبة فتتسرب أنوار روحه من تلك الثقوب، ويتلف ريحانه، فيقف عاجزاً معطوب العقل والوجدان، لا يقوى على الفكر، وتشل مراكز العناد والرغبة فيه، حتى يصبح هنداماً ثقيلاً على نفسه وعلى سريره، فيأخذ بالدوران حول نفسه ويذوب ويذوب، كما لو أن السل أصاب روحه، فلا عيش يطيب ولا لذة تستطاب بعد ذلك، يتكور وينطوي على خساراته، فيسلب حقه حتى في البكاء ولا يستطيع ذلك رغم أنه يعلم أن البكاء فعل أنيق وأن من يملك المقدرة عليه شخص منعم من الإله العظيم، لكنه ليس كذلك، يعلم جيداً أنه بمعزل عن الأمر برمته، لا يستذكر ولا يجرأ أن يمس مخزون الذكريات كما لو أن ذلك الجزء من عقله متورم شديد الالتهاب، وأن أي فكرة قد تهوي به أرضاً فلا يجرأ على التفكير حتى!!

فيقف عاجزاً كشجرة تقف مهزمة أمام تبجيلها للسماء، غصونها مرفوعة للأعلى بينما جذورها قيدها الأبدي، بيد أنها رافضة عجزها هذا، لكن دودة الفكر أكلت ما بين لحائها وجذورها، فـتقف خاوية، مثلها مثل إنسان ذو أسى بليغ…

رغم أنه يحدث في وقت ما أن يستعيد المرء بعض من ريحانه وبرهة قصيرة من نشوة الحياة الكاذبة، فكأنما يسافر عبر سنين الألم فقط ليصبح شاعراً ويخلد مآسيه ويحتفي بها كأنها إنجاز عظيم ذو شأن بعيد كل البعد عن الخزي الذي أدخله به، فيتمكن من تقيئه على الورق وتخليده بفعل عالٍ من التبجيل والتعظيم، كما لو أنه المختار المتفرد في ذلك الأسى، بيد أنه لم يتمكن من اختيار ماذا يكتب على شاهد قبره بالنهاية، حتى مات عاجزاً، لا يتكلم ولا يتحرك من قيوده، كالأشجار تماماً

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:١١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د