دعك فروة رأسه حتى أدماها بأظافره. قلقٌ قاتل انتابه، فصار يبحث عن السراب ليمتلك كنوزه.
لم يعد يسمع ضجيج العالم. الغرفة تضيق به، الالوان في الستائر غائمة، وكل شيء يلتف حول عنقه.
أراد فقط أن يحفر في ذاكرته المترهلة ملمس بشرة زوجته وأطفاله، أولئك الذين اندثروا تحت الركام بصاروخ أهوج.
الناس حوله، عيونهم كمقابر فاغرة، يرددون: مسكين.. مسكين. اتهموه بالجنون.
ظل يسير، يعبر السواقي والانهار، حتى ابتلت أسماله. رفعها فوق رأسه، كأنها سفن. قيل له إنهم هناك أصبحوا سراباً، زحفوا نحو البحر بعقول في جعبتهم، مدبرين لا صابرين، يضربون الماء ليمسكوا السراب.
هل ظنوا أنه السراب فعلاً؟ أم كانت فتوى قذفتهم فخسروا الرهان؟
وصلوا المدينة ناقمين جائعين. أكلوا خرافهم وتركوا برسيمهم للريح، وبنوا في الظلام قبابهم متاريس وأسلحة وفوضى. امتلكوا الليل والخيبة، وحللوا التربة وتصدروا المشهد ولم يتحاوروا.
كانت السماء تمطر دماً، لا مطراً.
أراد أن يخوض تجربتهم، فالتحق بالسراب. لم يجد سوى أرض سبخة، وقلعة لا تنبت إلا الشوك، يسمونها جنة.
هناك، صرخ فيهم كأنه يخاطب جمعاً:
"أنتم واهمون.. ستغرق سفنكم الموعودة قبل أن تصل مراسيها.. ستنهار قصوركم ثأراً لسقوط منزلي على عائلتي.. أنتم لصوص.. جبناء.."
ثم أفاق مرتبكاً من كابوس جاثم على أنفاسه. نظر إلى الضياء الذي تسلل من شقوق الباب لينير العتمة.








التعليقات