انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المغربية الحشّاشة

ماجد مطرود
ماجد مطرود

شاعر واديب عراقي

2 دقائق للقراءة
48 مشاهدة
المغربية الحشّاشة
مشاركة:

تُسمّي شارع (فان وسين بيك) بالشارع الصيني، وتُسمّي مكتبة (برميكا) بمكتبة المدينة. تجلسُ كلّ يومٍ وحيدةً في ساحة (دي كونيك) التي تُطلِق عليها ساحة الأفارقة.
في الساحةِ مقهى روّاده من الحشّاشين والسكارى الذين رموا ملابسهم الداخلية تحت المصاطب، ومحلاتٌ لبيعِ الهواتف الذكية، وصالوناتٌ لحلاقةِ الشعر الأفريقي، ومركزٌ للصليب الأحمر يهتمّ بعلاجِ المدمناتِ الحوامل والمتسكعات اللاتي يعشنَ (في الأسود)*.
وفي الساحةِ أيضًا صيدليةٌ كبيرة تبيعُ الأدوية الممنوعة وبعضَ حبوب الهلوسة، وفيها مركزٌ ثقافيّ صغير كُتِبَ على واجهته: "شبابُ التبتِ الرياضي"، وملعبٌ صغير لكرةِ السلة يعجُّ بشبابٍ آسيويّ وأفريقي.
جلست المغربية الحشّاشة منتصف الظهيرةِ على مصطبة، ومن خلفها تفردُ المكتبة ذراعيها. وبالصدفةِ لمحت اليافطاتِ المعلقة على واجهات المحلات مقلوبة الحروف كأنّها معكوسة في مرآة، فظنّت أنها سكرانة!
أدارت رأسها إلى جهة أخرى، فرأت امرأةً تجلس بجانبها تعزف على آلةِ الكمان، وودَّتْ لو تسألها عن قصةِ تلك الحروف المقلوبة، لكنّ الكلبَ الذي كان مسترخيًا على أنغامِ الآلة الحزينة كسر خاطرها؛ فلم تشأ أن تقطع هذه النشوة العظيمة. وشعرتْ بحرارةٍ لذيذةٍ تسللت إلى جسدها، فحاولتِ النهوض لكنها لم تستطع.. قدماها لم تُعينَاها.
اتّكأتْ على المرأة وكادت أن تسقطَ من هول المفاجأة؛ إذ اكتشفتْ أن العازفة وكلبها مجرد رسمٍ على ورق! صُعِقتْ للحظةٍ وراحت تتحسّس الملامحَ.. مرّرتْ أصابعها على المرأة، وعلى الآلة، ثمّ على الكلب، وتأكّدتْ أنّه مجرد ورقٍ رُسِم عليه المشهد كلّه، فتساءلتْ في سرّها: "هل يمكنُ أن يكونَ الرسم بهذهِ الواقعية الموغلة؟".
عادتْ إلى جلستها تنظرُ، وتسمعُ، وتفكرُ، وفي يدها كتابٌ استعارته قبلَ قليلٍ من المكتبة، يحكي قصةَ امرأة تنازلت عن مكانتها النبيلة وارتضت العيشَ في ورقة!
تيقنت المغربية الحشّاشة أنها داخل المشهد، فنامت.. أخذتها غفوةٌ عميقة وهي تحلمُ برسامٍ يرسمها نائمةً على مصطبةٍ من
زجاج.

بلجيكا/ 2016

ملاحظات:
*الاسماء المقوسة هي اسماء شوارع في مدينة انتويربن، باستثناء (پرميكا) فهي مكتبة في وسط المدينة تعتبر اكبر مكتبة في شمال بلجيكا
**عبارة (في الأسود): تعبير دارج في اللغة الهولندية (In het zwart ) يُقصد به العيش أو العمل في الخفاء دون إقامة أو أوراق رسمية.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣١ آب ٢٠٢٦ في ٠٦:٢١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د