انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

طائرة ورقية

نشوان عزيز عمانوئيل
نشوان عزيز عمانوئيل

قاص وكاتب عراقي

4 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
طائرة ورقية
مشاركة:

في داخلِ كُل مِنا صوتٌ خاص يظهرُ على شكلِ ومضات خاطفة من ترياق الجنون..أو الأسى يأتي أحيانا على شكل نداء أو عصارة وجع لتاريخٍ مُهشم.. أو سَمِهِ ماشِئت.. هو في النهاية صوتٌ خاصٌ بِكْ ولايُشبِهُ أحد سِواك
كانت تِلكَ هي المرة الثالثة التي اُحاوِلُ فيها أن أكتٌمَ هذهِ الأنفاس التعيسة..كنتُ قد سئمتُ حقاً أن أكون نِصفين ولكن قَبلَ ذلِكَ كٌلهُ اتذكرُ قبلَ دخوليَ المُستَشفى بِلحظاتْ قصيرة كانَ هُناكَ صوت يُناديني أنا مِنَ الغابة المجاوِرة
صوتٌ ليس كَكُل الأصوات.. لهُ خصوصيته وأبعادهُ.. صوتٌ بعيد بذبذبات مجنونة يسحَقني سَحقاً رغماً عني.
كانَ ذلكَ قبلَ أن أستيقظ فَجأة مِن موتي المؤجل ومِن كابوس حياتي ومِن جَحيم الاخرين والوقتُ كانَ في ما بعد منتصف العمر.. اتذكرُ جيداً كيف أني قبلَ ذلك
كنتُ على نقالة مُتهالِكة تجري بجنون عِبر ممراتٍ بيضاء طويلة جداً ولانهائية ومِن حولي كائناتُ غريبه تُحَدقُ في وجهي شبه المُمَزق
. وهناكَ خلفَ النقالة شبحٌ يدفعني بجنون للأمام ويُتَمتِم بِكلماتٍ لم أكُن أفهمُ مِنها أي شيء.
كل شيء ليس ككل شيء. وكأنني كنتُ أركضُ واركضُ مثلَ أبليس هارب من فردوسٍ مفقود صوبَ الغابة و بوابة الحلم.. أو كأرملة مذعورة في زمنِ الحروبِ الأهلية
ولا أنسى كيفَ أن ذلك الصوت كان يَرنُ في رأسي مثل جرس من أبواب الجحيم..
حَلِمت كأني في غرفة بلون الحُلم والورد وكنتُ أنا أبكي بجنون فوق مَخدةٍ بِلون السماء... رأيتُ عصافير صَغيرة بيضاء تحاولُ الطيران دونَ أن تقدِر على التحليق.. كأنها كانت في سِجنٍ كبير...وغيمة تَمدُ يَدها صوب النجوم دونَ أن تلمسَ الضوء
رُغمَ أنني كنتُ على حافةِ الحياة إلا أنني رأيتُ اسلاكاً كثيرة تُغَطي جَسَدي...كنتُ اسمعُ نبضات قلبي على آلة نحاسية ذات إطار أبيض تمتدُ مِنها أسلاك ناعمة بألوان مختلفة
قلبي مازالَ ينبضُ.. يالهُ مِن قلب شُجاع..
تذكرتُ كيفَ أنني كنتُ مُختَلفا عن الآخرين.. كانتْ لدي أكثر من حياة.. وأكثر من موت
حتى جنوني كان مُختلفا.. كان جنونا من نوع آخر
كان هناكَ فوقَ رأسي ضوء ساطِع كالشمس يملأ عَقلي الفارِغ حينها بالنور
مرت سنوات ضوئية طويلة أو لرُبَما لحظات قصيرة حين وجدتُ نفسي في حالة وسطى من الجنون والحكمة.. حالة ضبابية.. فيها مسحة من الغموض.
كنتُ في تلكَ الغُرفة البَيضاء المحُ بِصعوبه خيوط من نور تبدو بعيدة ومُشَتتة بعض الشيء..
كأنني للحظة كنتُ انسلخُ عن ذاتي
وكأنما كنتُ أنظرُ مِن فوق طائِرة ورقية من الأعلى.. وخُيل لي أني آرى كل الأشياء في ذاتِ الوقت.
كل شيء هنا هو عكس مانراه ويتحدى قوانين الفيزياء والطبيعة. حتى حواسي هي الاخرى استيقظت فجأة وبقوة..وخيلَ لي أني
كنت أشمُ رائحةَ الموت هُناك.. ورائحة الولاده.
من حولي أجتمع حَشد مِن كائنات بيضاء ترتدي قُفازات رمادية كانت تنزلقُ على جُثتي الهامِدة والمُكَبَلة بألف عزرائيل فوق السرير.
في السقف كانت هُناك فتحة صغيرة كنتُ اتأمل عبرها مرجوحة تتدلى من فوق الغيوم.. وانا اركض في مكان يشبه الغابة وعلى طول الطريق تلمعُ أمامي شرائط مُبهمه مِن الذكرى.. أشكال بشرية وأخرى مُسوخ غير بشرية خُيلَ لي كأنما اؤلئك جاءوا فجأة من زمن كنت فيه وكنت جزء لايتجزأ منه
الوقت ليس له معيار أو معنى.. كل شيء يظهر فجأة.. ويختفي فجأة وأنا
مازلت أركض في ذلك الممر الذي يشبه غابة نائمة..
الأشياء من حولي تشدني إلى ذلك الصوت الجميل.
الصوت الاعتيادي نسمعه جميعاً.. لكن ذلك الصوت كنت أراه أنا يقرع شبابيك غرفتي المجاورة للغابة كل يوم .. كنت أشم رائحته.. كأنما كرائحة صلوات أو أزهار ليلية.. صوت كحلاوة الروح حينا.. وتارة مثل أبواب الجحيم.
يومها ولااعرف بأي شقاء وحزن ولهفة قررت أن أفتح ذلك الباب في عقلي..
حين لمست مقبض الباب كنت أنا في قلب الغابة..
رأيتها واقفه هناك مثل بقايا حلم.. بشعرها المُجعد.. وعيون مثل أساوِر المرجان والفيروز
قلت لها :
الاشجار كلها صارت كبيرة.. وكبُر حُزن الغابة وأنتِ مازِلتِ صغيرة وكل العصافير تُحبُكِ
ومازال شذا عطرك الحزين هناك.. يأبى الزوال رغم تقادم الأيام
ومازال ثوبك يحتظن النوارس ويحتضن سريركِ المُغطى بالأعشاب والفراشات
هل تعلمين شيئاً.. حين عدتُ من هناك.. عدتُ بجسدي.. روحي غلبها النُعاس بِقُربكِ.
مَدت يدها كي تسحبني هناك لكنها تلاشت مثل صلاة قصيرة
حاولت أن أدخل وبقوة لكن ذلك الصوت ظل يسحبها صوب الغابة.
استيقظت من جديد على صوت تِلكَ الألة النحاسية اللعينة .. قلبي كان لَم يَزَل ينبض بالنور.. ياله من قلب شجاع.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٨ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د