انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

في مساءٍ بلا اتجاه، حرباءٌ تبتلع الحافة

قصة ميتاسريالية

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

12 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
في مساءٍ بلا اتجاه، حرباءٌ تبتلع الحافة
مشاركة:

توقفت حرباءٌ عند سياج مزرعة الحمام، لعلها تظفر بجناحٍ أو أكثر يكفي لسدّ رمق العشاء. نظرت إلى الأمام حيث كانت المزرعة تتراءى كأنها جملةٌ ناقصة، وتكثر فيها أجنحة الحمام كالحروف المنقوشة التي ترفض أن تُمحى عن ألواح الطين البابلية. وبدل أن تُحسن قراءة المشهد، قرأها المشهد كما لو كانت هي الخطيئة في النسخ؛ هنا تحديداً بدأت ميتاسريالية الحكاية؛ لأنها لا تكتفي بتزيين الواقع، بل تقلبه كدفتر مدرّسٍ يُفتح على مصراعيه في منتصف الامتحان. في كل مرة كانت الحرباء تومض بجلدها، كانت القصة تعيد صياغة علّة وجودها؛ فتارةً تصبح "ضياعاً"، وتارةً تغدو "اختباراً"، ومرةً تتحول إلى "تمرينٍ ممنهجٍ عن التضليل".

كان الوابل الأول من ذلك التبديل قد اندلع عندما انشقت من عتمة الأشجار علامةٌ غامضة عصيّة على التأويل:

 بوابةٌ خشبية واهية تشبه أبواب "كور" السبعة-أبواب العالم السفلي السومري التي لا تُفتح إلا لمن ضلّوا مسارهم في وادي الفناء-وقد خُطّ عليها باعتذارٍ كنسي باهت اسم منشأةٍ لا وجود رسمياً لها في السجلات: "أكاديمية ابن أوى للدراسات التكتيكية".

لم يكن الاسم معروضاً ليُقرأ، بل كان يُستحضر استحضار الطلاسم القديمة. والحرباء، كلما تقدمت خطوة، شعرت بالألفاظ تُصفّر داخل جمجمتها كصافرة قائدٍ ميداني يأنف من الإسهاب والشرح. انفتحت البوابة تلقائياً دون لمس، وبدل أن تدلف إليها بجسدها، رأت اللعبة بأسرها من علٍ:

 رأت في خيالها مربعاتٍ هندسية تتحول إلى شوارع، وشبكاتٍ مقطعية تغدو خرائط عسكرية، بينما يتحول الحمام الأبيض إلى مجرد "أهدافٍ تدريبية" في وعي راصدٍ مجهول. تذكّرت لحظتها أن هناك بشراً يتصرفون كما لو كانوا مؤلّفين أرباباً للأقدار، وحين تشرع الكائنات في تقمّص دور المؤلّف، يستحيل الوجود برمّته معسكراً للتدريب.

في تلك اللحظة بالذات، انطلقت الحركة؛ كلابٌ ضالة ظهرت فجأة كأنها جملةٌ إعرابية شردت من سياق السرد وقررت أن تطأ التراب بأقدام ملوثة. كانت أجسادها مدرّبةً بعناية فائقة على اقتناص الانتباه:

 عيونها ترصد الفجوات، وأنوفها تلتقط وميض النوايا قبل أن تتجسد في رغبة؛ فلم تكن خطواتها تحدث ضوضاء، بل كانت توقّع إحداثياتٍ على رقعة الموت.

قالت الحرباء هامسة:

"أنا لا أنشد حرباً... جلّ ما حدث أنني فقدتُ بوصلتي"

بيد أن الكلاب، شأنها شأن أي منظومةٍ تكتيكية استخبارية، لا تفصل بين نية المهاجم وحصيلة ارتكابه؛ فالنتيجة وحدها هي ما يُرحّل إلى جداول التدريب الصارمة. وقبل أن يتسنّى للحرباء تبديل جلدها للمرة اللاحقة، تقدمت الكلاب في نسقٍ متعرّج؛ لم يكن طابوراً عسكرياً كلاسيكياً، بل نسقاً يمثل ثمرة "مدرسة" احترفت زرع الارتباك:

 تتقدّم لتضرب، تنكفئ، ثم تعاود الكرّة-وكأنها تنفّذ على أديم الأرض بياناً عملياً بعنوان:

 "كيف تقطع السبيل على الحكاية حتى لا تختار مآلها بنفسها"

ثم لاح من بعيد ظلٌّ يمثل عصبة الشوارع؛ لم يكونوا يرتدون زياً موحداً، بل كانوا يتزيّنون بتعدّد الأدوار والوجوه، حاملين في أيديهم أدواتٍ ليست بالضرورة أسلحةً بيضاء، بل هي رموز شفرية لإدارة الخناق:

 راياتٌ مقتضبة، صفّارات، وخرائط ورقية تُطوى ثم تُبسط ثم يُعاد طيّها بعناية، كأنهم يحبكون مصائر الوقائع كي لا تفلت من قبضة التعتيم.

دنا أحدهم من الحرباء، وأمال جذعه نحوها بنبرة مدرسٍ يصحّح إجابة طالبٍ راسب:

"إن عقيدة مدرستنا تؤكد أن بوصلتكِ ليست ملكاً خالصاً لكِ"

ثم أردف ببرود:

لكننا ندرّب الكائنات أيضاً على كيفيات التنازل عن ملكية المسار دون تذمر.!

بدأت الحرباء تتساءل في دخيلتها:

 أكان ضياعها علّةً قائمة بذاتها؟ أم أن هذا التيه كان مجرد مسألةٍ موضوعة في اختبارٍ كونيّ واسع النطاق؟

كلما حاولت الدنوّ من حمام المزرعة، انطفأ في ذهنها المعنى المجرد لكلمة "الاقتراب"؛ لأن الدنوّ صار يستتبع تلقائياً فرضية "الهجوم"، وتلك الجملة الأخيرة كانت تفرض سلطتها البلاغية بالقوة. رفعت كلاب المزرعة-تلك التي لا تنتسب إلى مالكٍ بعينه-صفيراً جماعياً مباغتاً، فارتجت التخوم تحت صدى الصوت، لترتطم صدمة الإدراك برأس الحرباء دفعة واحدة:

 لقد نسيت وجهتها تماماً؛ ليس لأن الإبرة قد انثنت فحسب، بل لأن القصة المكتوبة قررت أن تمحو الاتجاه من أصله لتبرهن على أن الاتجاه خرافة.

عندئذٍ انبثق في روعها إدراكٌ مرعب:

 عندما تفقد بوصلتك، لا تظل تائهاً مجرداً، بل تصبح على الفور "الهدف الذي لا يجوز تسميته هدفاً". شرعت الحرباء في محاولة الهجوم، ولكن مهاجمة ماذا بالضّبط؟ أمهاجمة الحمام بوصفه فكرةً فدائية؟ أم الهجوم على المخطط التكتيكي للأكاديمية؟ أم الهجوم على القلم الباطش الذي يخط السطور ثم يخون مقاصدها كلما لاح وهم النهاية المستقلة؟

تبدّلت صبغتها فجأة بنمطٍ مربك؛ كان تمويهاً للدفاع، وكان في الوقت ذاته لساناً مشحوناً بالرموز على قشرة جلدها. استحال جلدها طافحاً بما يشبه حراشف تنين "الموشخوشو" الذي يحرس بوابات المعابد السومرية القديمة في العالم الأسفل؛ كل لونٍ يمثّل خطوة، وكل خطوة تعلن:

 "نحن لا نقرأ الدلالة ذاتها"

سحب أحد الكلاب قوائمه خطوةً للوراء بوجل؛ وكلبٌ آخر نوى الاندفاع عدواً ثم تجمّد في منتصف وثبته، وكأن تعاليم الأكاديمية باغتته بسؤالٍ نقدي لم يألفه:

 "أهذا تهديدٌ يقتضي الفتك، أم مجرد تأويلٍ خاطئ للنص"؟

ومن خلف الأسلاك الشائكة، بدأ الحمام ينتظم في حركةٍ دائرية جماعية شاذة؛ لم يكن تحرّكهم فراراً هلعاً، بل كان إشارةً وإيعازاً؛ داروا حول فضاءٍ أوسط فارغ كأنهم يرسمون بأجسادهم جملةً تريد أن تنقش نفسها على الريح. كانوا يتعثرون، يعيدون الصياغة، يتراجعون، ثم يلتزمون بتعليماتٍ سريّة مستحدثة لم تكن مدرجة في المتن التمهيدي.

عندما سكنت وتيرة المطاردة، لم يسقط صريعٌ في الميدان، لكن أحداً من الأطراف لم يظفر بنصرٍ ناجز. اكتفت الحكاية بغنيمةٍ فلسفية ملتوية:

 "نالت الحرباء فضيلة الاعتراف بأن ضياع البوصلة قد يكون درباً من دروب الانعتاق، لا مجرد تيه"

تمتمت الحرباء بصوتٍ يشبه حفيف الانسلاخ:

لعل البوصلة لم تُخلق لتعيين الجهات... بل لتمنح الأقوياء حق احتكار تفسيرها.

دوّت في الأفق صفارة الأكاديمية من جديد. وفي الخاتمة المشهدية، تماهى ظلّ العصابة وتلاشى بين أدواح المزرعة كما تذوب الكلمات المبتورة في حواشي الصفحة؛ أما الحمام فارتدّ إلى مواقعه الهادئة، بصفته رابحاً و ضحية، وحارّسٍ للمعنى العصيّ على الاعتقال.

بقيت الحرباء وحدها... ترنو إلى بوصلتها الداخلية، لكنها في كل مرة كانت تطيل النظر فيها، تتيقن أن اتجاهها الأصيل لم يكن سوى علامة الاستفهام ذاتها.

في الليلة عينها، بعد أن خفتت الصفارات وغرق الحمام في سباته الثقيل، لم يغمض للحرباء جفن؛ لم يكن فزعها نابعاً من الكلاب الضارية، ولا من تآمر عصبة الشوارع، ولا حتى من هيبة اسم "ابن أوى" الذي ظل يلمع كالمداد الأسود الطازج على جدران الكون، بل كان ذعرها مشتقاً من حقيقةٍ أشد وطأة ورعباً:

 من يقينها بأن كل هذا العبث كان يمكن ألا يقع مطلقاً... ومع ذلك فقد وقع؛ لأن المتن السردي استوجب حدوثه دون استئذانها.

كان ذلك هو جوهر الرعب الوجودي؛ فالوحش لم يهجم من خارج الحكاية، بل بدت البنية الكونية كأنها أبرمت ميثاقاً سرياً قاهراً مع عقلها الباطن.

في غبش صباحٍ متمرد لا يقيم وزناً لعقارب الساعة، وقفت الحرباء ترصد بوصلتها الباطنية وكأنها مرآةٌ سحرية تعكس قبور الأقدمين. راحت تقلب ألوانها بحثاً عن برهان:

 الأحمر لإنذار "الخطر"، والأصفر يومض لـ "الإشارة"، والأخضر يعلن "الهدنة"... غير أن كل صبغةٍ كانت تشرق على ظهرها كانت تأبى أن تكون تعريفاً ناجزاً. كلما حاولت الحرباء التضرّع بالقول:

 "أنا كائنٌ ضائع"، تفتّق على حراشفها لونٌ هجين لا تملك زمامه، لونٌ يشبه الرقوم المسمارية التي لا يفك شفرتها العرافون إلا بعد أن تحل الطامة.

أدركت حينئذٍ ببطءٍ مرير، كأن الإدراك ذاته يتسكع على شفا الهلاك:

 لم تكن بوصلتها تشكو عطلاً قط، بل كانت تُنتزع منها ليحل محلها بوصلةٌ أخرى مجهزة ومبرمجة لتقودها نحو القرار الوحيد الذي لا رجعة منه:

 نحو "المعنى المفروض".

عادت الكلاب للظهور كحدثٍ سردي متجدد وكحقيقةٍ تتكرر بلا نهاية داخل النص، تتقدّم بخطواتٍ وئيدة توقظ في رأس الحرباء رجيع صوتٍ جاف يأمرها: "استوعبي".!

نبس أحد الكلاب بصوتٍ أجوف لا شفتين له:

إن مدرسة ابن أوى لا تدربنا على ممارسة العنف المحض؛ بل تدرّبنا بالدرجة الأولى على ترويض أفعال الآخرين وتفسيرها... ثم نحملكم على تصديق أن تفسيرنا المسبق هو جوهر الواقع الحتمي.

أطبقت الحرباء فمها؛ إذ كانت الإجابة تستلزم فتح سراديب من المساءلات، والمساءلة هناك كانت تشبه فتح مزاليج "أركالا" أبوابٌ إذا فُتحت استحال إيصادها. لكن مكمن الهلع الأكبر كان في عيون الحمام التي ثبتت أحداقها نحوها بتركيزٍ جنائزي، كما لو كانت تستقرئ نهايتها المحتومة في كتب الغيب.

ثم تفجّر الحدث الذي شلّ أركان المنطق:

 لم تعد الحرباء تكابد للعثور على اتجاهٍ يفضي إلى مكانٍ معلوم، بل استيقنت أن كل الاتجاهات تفضي طوعاً أو كرهاً إلى نقطةٍ واحدة:

 إلى مركز تلك الدائرة التي حاكها الحمام. وفي تلك البرهة، اخترقت مسامعها قهقهة عصبة الشوارع الخفية؛ قهقهةٌ صامتة، مسمومة، تُكتب بخفاء في الفراغات البيضاء بين الكلمات.

تقدّم ذلك الظل خطوة؛ لم يكن إنساناً، ولا كلباً، ولا حدثاً درامياً... بل كان تعليقاً نقدياً استعلائياً على القصة نفسها!.

قال الظل بنبرة حاسمة:

تتوهمين أن فقدان البوصلة كان مبعث مأساتكِ، بيد أن هذا الضياع ما هو إلا نتيجة؛ النتيجة المصممة بإتقان لندرك من خلالها كيف نصادر ما تدعينه بنيتكِ الحرة.

ثم أومأ بسبّابته نحو جلدها، نحو تلك التدرجات التي طرأت رغماً عن إرادتها. وفي طرفة عين، أدركت الحرباء أن تلوّنها الدفاعي لم يكن درعاً ولا نجاة؛ كان اعترافاً مفروضاً بالهزيمة. كل حراشف متغيرة على بدنها أضحت بمثابة جملةٍ إخبارية تُلفق عنها دون أن ينطق بها لسانها؛ ولو شرعت في النفي، لانقلبت ألوانها لتكذّب إنكارها في الحال.

تراجعت الحرباء خطوة؛ وحين ارتدّت، لم تتراجع الأرض تحت براثنها، بل تراجعت حركة السرد على السطر فقط؛ أي أن الوجود المادي لم يكن يتبع كتلتها الحيوية، بل كان يذعن حرفياً لمعنى "الارتداد" في القاموس.

صار الرعب متماسك البنية ومحكم الإغلاق؛ فما دام المتن هو الخالق الأوحد للقوانين، فإن كل استبسالٍ للنجاة يرتدّ ليصبح تدريباً إضافياً للأكاديمية. تذكرت الحرباء فجأة قاعات "مدرسة ابن أوى" كما لو كانت تُبث في وعيها من الداخل:

 ردهات مظلمة، ألواح سوداء، تلامذة يتمرنون على مناوراتٍ تبدو تافهةً في الظاهر... ليتلقوا في الدرس الختامي الحقيقة المرة:

"إن التكتيك لا يُقصد به كسب المعارك، بل تحريك اتجاه المعنى نحو مسارٍ تعجز عن مجابهته".

هنا تصاعدت في حنجرة الحرباء صرخة مقاومةٍ وجودية أخيرة:

إن كان كل حرفٍ قد كُتب سلفاً، فلستُ مدحورة؛ أنا مجرد قارئةٍ عابرة... والقارئ يحتفظ بحقه المقدس في التأويل!.

ما إن لفظت عبارتها تلك، حتى خمدت الألوان كافة، وانسلخت الصبغات كأنها تمائم إنانا المخلوعة عند بوابات الظلمات؛ لم يتبقّ على جلدها سوى رمادٍ باهت، لونٍ محايد كصفحةٍ ممسوحة لم يتقرر بعد ما الذي سيُكتب فوق بياضها الميت.

تجمّدت الكلاب ،كفّت العصابة عن الحركة،والحمام حوّل نظراته بعيداً، كأنه انخرط في تهجئة الصمت.

ثم تموج في الأثير الفاصل بين الحرباء والسياج نصٌّ شبحي لا تراه الأعين، لكن سطوته كانت تنغرس كنصلٍ من حديد المعنى:

إذا كانت القراءة هي سبيل الخلاص الوحيد... فماذا لو كانت النجاة ذاتها مجرد وظيفةٍ رتيبة رُسمت لك داخل سياق الحكاية؟

عند ذلك المنعطف الأخير، لم تهاجم الحرباء حمام المزرعة، ولم ترفع يداً لدرء الهلاك؛ لم تقترف ما يجعل منها "بطلة" ملحمية، ولا ما ينزلها منزلة "الضحية" المستسلمة. صنعت أمراً واحداً لا غير:

 اختارت الإحجام التام؛ اتخذت من التردد يقيناً، ومن الغموض درعاً أخيراً. لكن حتى هذا الاختيار بدا وكأنه مسطورٌ في حواشي المخطوط. ومع كل لحظة تمر، كان الرعب الميتافيزيقي يتجذر في روحها:

المشكلة ليست في أن يضل السائر دربه، بل المعضلة الكبرى هي أن يُمنح سبيلاً معبداً مسبقاً بإتقان يجعله يجهل إن كانت حريته المزعومة سوى واجهةٍ ديكورية مستعارة.

وقفت الحرباء مشدوهة، بوصلتها باتت دون إبرة، وعيناها تدوران في فراغٍ لعله يقع خارج قبضة المؤلف. وفي السطر الأخير، لم ينبلج أي تأويل؛ بل استيقظ سؤالٌ ينهش الوعي:

 هل أضاعت الحرباء بوصلتها حقاً... أم أنها أضاعت نعمة الشك؟

تقدّمت نحو السياج خطوةً... ثم أحجمت؛ لم تكن نكوصاً من وطأة الوجل، بل كان الإحجام في ذلك الموضع بمثابة إشعارٍ قطعي بأن القصة لن تمنحها شرف الاصطدام.

شمخت برأسها شطر الغابة، حابسةً صوتها في صدرها؛ فكتمان الصوت في شريعة ابن أوى كان ثمرة دُربةٍ عالية:

 أن تولّي الأدبار دون أن تترك للخصوم حرفاً واحداً يصوغون به تبريراتهم الاستعمارية. أخرجت بوصلتها "الرمادية" من مكنونها الداخلي كأنها سهمٌ مغلف بغشاءٍ بلوري شفاف، لم تكن تبصر عبره إلا مخرجاً وحيداً:

 الانفلات بعيداً عن بؤرة الدائرة السحرية!.

مع كل وثبة، كانت استعارات العجز تلتف حولها؛ تحوّل جلدها-في بطءٍ يأنف من التبرير-إلى ما يشبه تنين الأعماق والشتات؛ تلوّت في باطنها كما يتلوّى "اللوثيان" في ظلمات المياه الأولى، ذلك التنين المحاصر في مقابر الأساطير الذي يحمل خطيئته ولعنة انكساره على ظهره. خلع جلدها الرماد وارتدى هيئة دمٍ متخثر يبرد رويداً رويداً؛ بنيٌّ قاني كذكرى فاجعة لا تزال تشتعل حرارةً رغم تقادم الدهور. لم يكن ذلك التلون وليد جراحٍ أصابت لحمها، بل لأن الهزائم التاريخية الكبرى لا تُدوّن عادةً بطباشير ناصع البياض؛ بل تُسطّر بلونها الفطري الأوحد:

 لون الإذعان المفروض!.

عند أول منعطف، بلغ مسامعها وقع خُطى الكلاب وهي تطبق من الخلف-لكن زمجرتها كانت تحاكي صرير صفحاتٍ مجلدة تُغلق بإحكام. لم تكلف العصابة نفسها عناء المطاردة، إذ لم يكونوا بحاجةٍ إلى بذل الجهد؛ كانوا يدركون سلفاً أن الانكسار الصامت يهبهم ما تعجز أعنف المعارك عن تحقيقه في السجلات.

هتف الظل المتواري بلهجةٍ غيرمرئية:

حين تعزفين عن القتال، لا تُدرجين في سجل الغالبين... لكنكِ، دون وعيٍ منكِ، تثبتين تفسيرنا للوقائع!

ثم ذيّل كلماته بعبارةٍ كأنها فرمانٌ تاريخي مختوم:

"إن الهزيمة التي يُفرّ منها في صمت... تغدو حقيقةً مطلقةً في الأرشيف"

تابعت الحرباء مسيرها الوعر، غير أن الأرض الطينية أسفلها بدأت تفضح أثراً لم تخطه براثنها؛ مسارب رقيقة تنضح كأنها دمٌ أُريق منها، أو دمٌ أُلصق بها عمداً لتأكيد الجريمة. كان سيل الدم هناك ضرباً من البلاغة القسرية لا أثر جرحٍ نازف. كل خطوة كانت تضيف طبقةً جديدة من ذلك الطلاء القاتم فوق سحنتها الباهتة؛ ومع كل طبقة، كان يتلاشى جوهر "الأنا" الخاص بها أكثر فأكثر، حتى غدا الاستنكاف شكلاً من أشكال الانصياع المصبوغ.

كانت تدرك في قرارة نفسها أن صيرورة التاريخ لا تعرف الرحمة؛ هي لا تزدري الضعف فحسب، بل تطحن من يحاول تلفيق الضعف واستبداله ببطولاتٍ زائفة. الهروب الصامت يطابق الهزيمة التاريخية تماماً-هكذا تشبّعت روحها بالدرس-لكن اصطباغه بلون الدم لم يأتِ لترويعها، بل ليبقى شاهداً أبدياً على أنها ما تزال مجرد جملةٍ مقيدة في متنٍ كُتب بعيداً عنها.

عندما بلغت أطراف الغابة الكثيفة، لم تكن قد انعتقت من سياج المزرعة فحسب؛ بل كانت قد برئت من فكرة "النجاة" في ذاتها. تسمّرت للمرة الأخيرة؛ استدارت بنصف التفاتة حذرة دون أن تحرك كامل جسدها، نظرةٍ خاطفة كافية لتدرك استحالة تبديل ما دُوّن في الرقيم، لكنها نظرة لا تكفي لجعلها شاهد زورٍ على تزويرهم الممنهج.

في تلك اللمسة البصرية الأخيرة، تجلى لها الرعب الأكبر:

 أن النكوص الصامت ليس إسدالاً لستار الحكاية، بل هو ديباجة "النسخة المؤدلجة التي ستُروى لاحقاً" عن تلك الواقعة. ثم انحسر لون الدم المتخثر عن أديمها قليلاً، ليدل على تعافٍ و رجاء، وليعلن الارتداد إلى الحياد الرمادي السحيق؛ وكأن رفات الآلهة القديمة في جوف الأرض تهمس لها: "تذكّري فحسب... واختمي على صمتكِ في ألواحكِ الداخلية".

وفي الرمق الختامي، لم تخطّ على التراب صرخةً للظفر، بل نقشت حقيقةً يتيمة بلونها البارد الجاف:

"أنا هربتُ... غير أن التاريخ لم يتزحزح قيد أنملة"

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٠٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د