انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ما بين مدينتين

إهداء إلى مروان ياسين الدليمي

بولص آدم
بولص آدم

قاص وروائي عراقي

4 دقائق للقراءة
59 مشاهدة2 تعليق
قصتي القصيرة بعنوان: ما بين مدينتين
مشاركة:

تكاثرت الشكاوى من نقطة السيطرة الواقعة بين مدينتين، حتى صار الملف فوق مكتب المسؤول أثقل من أن يُغلق. كانت الأوراق تتحدث عن ساعات ضائعة، ومسافرين عادوا من منتصف الطريق، وشيوخ أتعبهم الوقوف تحت الشمس، ونساء ينتظرن في السيارات وهن يراقبن الطريق بقلق. قلب المسؤول الصفحات بملل، وكانت الأرقام تتكاثر أمامه كأنها غبار الطريق. اقترح أحدهم زيادة عدد الرجال، وقال آخر إن جهازاً أحدث قد يحل المشكلة، ثم جاء صوت من آخر الغرفة يقترح تجربة أديب. بدت الفكرة غريبة، لكنها وجدت طريقها إلى التنفيذ.

في صباح اليوم التالي، ألبسوا الأديب الزي الرسمي وأجلسوه أمام الكرفان. شرحوا له الإجراءات، وتركوا أمامه الحاسوب الذي تظهر عليه أسماء المسافرين وأرقام هوياتهم والإشارات التي تحدد حالاتهم. استمع إلى التعليمات باهتمام، ثم جلس يراقب السيارات القادمة. كان الطريق يمتد بين المدينتين مثل شريط باهت تحت شمس ثقيلة، والسيارات تصطف أمام الحاجز، وكل نافذة تحمل وجهاً وموعداً ينتظر الوصول.

حين توقفت السيارة الأولى، طلب الأديب هوية السائق، وقرأها بعناية، ثم رفع عينيه إلى المقعد الخلفي. كانت امرأة تحمل طفلاً نائماً، وقد استند رأسه إلى كتفها مع كل اهتزاز. أعاد البطاقة إلى السائق وأشار إليه بالمرور. وفي سيارة أخرى كان شيخ يحاول النزول من مقعده كي يصل إلى النافذة، فاقترب الأديب منه وأخذ البطاقة من يده، ثم ترك له مقعده ووقته. ظل الفحص يجري كما هو، والأسماء تمر أمام الحاسوب، والهويات تعود إلى أصحابها، غير أن كل إجراء صار يأخذ شكله من حال الشخص الذي يقف أمامه.

وفي منتصف النهار توقفت سيارة أجرة قديمة. كان في المقعد الخلفي شيخ نحيل، يحمل كيساً صغيراً ويحدق في الطريق. طلب الأديب الهويات، فبدأ الرجل يبحث في جيبه. خرج منديل، ومفتاح قديم، وبعض النقود المطوية، ثم عادت اليد إلى الجيب. كانت السيارات خلفه قد أخذت تتراكم، والسائق يراقب المرآة، بينما ظل الأديب ينتظر.

حين طال البحث، فتح باب السيارة ورافق الشيخ إلى ظل الكرفان. جلس الرجل على كرسي قريب، وأسند ظهره إلى الحائط. وضع الأديب أمامه زجاجة ماء، ثم عاد إلى النافذة وأخذ من السائق بقية الهويات حتى تستمر السيارات في العبور. بعد دقائق عاد إلى الشيخ، فوجد يده ما تزال في جيبه. وحين وجد الرجل الصورة أخيراً، أخرجها مطوية بعناية.

كان فيها شاب يقف أمام بيت قديم ويبتسم للكاميرا.

أعطى الشيخ العنوان للأديب. أخرج الأديب هاتفه واتصل بأحد معارفه في الموصل. انتظر قليلاً، ثم أغلق الهاتف وأخبره أن البيت ما يزال قائماً.

أخذ الشيخ الصورة منه، وأعاد طيّها بالضبط كما كانت.

عاد الأديب إلى الحاسوب، أدخل اسم الرجل، وراجع بياناته بهدوء. ظهرت أمامه الإشارة التي تستوجب التوقف، فظل يقرأ، ثم أغلق الملف. خرج بالهوية وأعادها إلى صاحبها.

وضع الشيخ البطاقة في جيبه، وأبقى يده فيه لحظة، ثم صعد إلى السيارة. تحركت السيارة ببطء، وبقي الأديب واقفاً حتى ابتعدت بين الغبار.

منذ ذلك اليوم بدأت السيطرة تتغير. بقيت الهويات تُطلب، والأسماء تُراجع، والسيارات تُفتش حين تستدعي حالتها التفتيش، وكل ما في الأمر أن الأديب كان يرى المهمة سلسلة من واجبات صغيرة تجاه بشر يصلون إليه وهم يحملون تعب الطريق معهم. كان يفتح نافذة السيارة بنفسه حين يرى رجلاً مسناً يتعثر في النزول، ويطلب من السائق أن يطفئ المحرك حين يطول الانتظار، ويترك للأم لحظة كي تهدئ طفلها، ويمنح الخائف وقتاً حتى يستعيد صوته. صار الحاجز يؤدي وظيفته، وفي الوقت نفسه صار الطريق أقل خشونة.

اختفت الشكاوى خلال أيام. ثم وصلت إلى المسؤول ملاحظة أثارت فضوله: المسافرون صاروا يسألون عن السيطرة التي يعمل فيها الأديب، وبعضهم يختار الطريق الأطول كي يمر بها. ذهب المسؤول بنفسه، ووقف بعيداً يراقب. رأى الكرفان، والحاسوب، والجنود، والسيارات، ورأى الأديب يؤدي عمله بدقة هادئة، حتى بدا الأمر كله مألوفاً إلى درجة يصعب معها العثور على سر التحول.

استدعاه في المساء وأخبره بقرار إعفائه. استمع الأديب، ثم عاد إلى الكرفان في الصباح، خلع الزي الرسمي وتركه على الكرسي، وأغلق الحاسوب، ووضع المفتاح على الطاولة. بقي للحظة ينظر إلى الطريق من النافذة، ثم خرج ومضى حاملاً قلمه في جيبه.

جلس رجل جديد مكانه.

في الظهيرة توقفت سيارة أجرة عند الحاجز. اقترب الجندي من النافذة ومد يده. أخرج السائق هويته، ثم نظر إلى المقعد الخلفي. كان الشيخ هناك. كانت يده في جيبه. أخرج الصورة القديمة، فتحها تحت الضوء، وبقي ينظر إليها لحظة، ثم أعادها إلى جيبه.

رفع السائق عينيه إلى الجندي وسأل:

«هل الأديب موجود اليوم؟».

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د