1
أنا الذي عبرتُ الحدودَ
على شفراتِ قوسِ قزحٍ مُنكسر
أركضُ بلا أقدامٍ
أطاردُ ظلاً يُغنّي في أذنِ جرسٍ أصمّ
سمكة تُلقي بزعانفِها في فمِ ساعةٍ
لم أدرِ أنَّ الحزنَ قبّةٌ من شمع
تُطوى كسجادةٍ
مع من حالفه الحظ بالخروج من السباق.
تحاملتُ على نفسي وأعلنتُ العصيانَ
مِثل تمثالٍ يرفضُ أن ينكسر
أو ساعةٍ تُلقي بأرقامِها
مع أن قلبي كرةٌ من أسلاكٍ شائكة.
تتملّكني رغبةٌ عنكبوتٍ
ينسجُ من عينيهِ صحراء
تُطيرُ على أجنحةِ البحر
أعبرُ بها الوهادَ
أحلق في رئةِ السماءٍ
أغرقُ في بركةٍ أصواتٍ
تُشبهُ أظافرَ القمر
أصمتُ أمامَ ألسنةٍ تُلوّحُ بأيدٍ مقطوعةٍ .
أرمقُ الحياةَ بعينٍ تُشبهُ مرآةً تُبكي زجاجَها
أعرّي الآمالَ كشجرةٍ تُمطرُ أغصانا
أشطبُ اللافتاتِ بأظافرَ من ورقٍ أسود
أحرقُ النبوءاتِ في شوارعَ لها رائحة فاسدة .
أكتب بروح أتعبها الأمل
وجسد تحمله ثياب تُعانقُ الجِلد .
حذائي كفٌّ مُغبرةٌ
أطردُ عنهُ فرحاً من نافذةٍ مخضبة بالانتظار
أظلُّ وحيداً
أكتبُ إلى رحمِ الرحيلِ المُذاب.
2
أُعيدُ ترتيبَ وجهي
كما تُرتِّقُ الأرملةُ قميصَ ميتٍ
أخلعُ ملامحي
وأرتدي صوتَ من سقطوا سهواً من دفاترِ الضوء.
أحشو فراغي بصدًى يتأتأُ من فمِ الغياب
أجرُّني بخيطٍ من دخان
كأنني أمنيةٌ عالقةٌ
في درجٍ لا يُفتحُ إلا بالعطش.
أغمسُ أصابعي في حبرٍ متخثّر
وأكتبُ لا لأشفى
بل لأتذكّر أنني ما زلتُ أنزف.
كلُّ كلمةٍ جدارٌ
وكلُّ فاصلةٍ صفعةٌ
وكلُّ سطرٍ جثةٌ
أحنّطُها على عجل
ثم أبتسم.
أتسلّقُ جدارَ الوقت
بأظافرَ هشّة
وفي قلبي جُرحٌ يتثاءب
كلما فكّرتُ بالنجاة.
في عيوني خريطةٌ تُمزّقها الرياح
وأنا أتابعُ طيرانَ غربانِ الحنين
أينما ذهبت
يسبقني ظلّي
ينامُ على عتبَةِ حبرٍ مُتّقد
ويصحو على صوتِ مفاتيحٍ ضائعة.
أكتبُ
كأنني آخرُ الناجين من زلزالِ الأمل
وأمامَ بابٍ لا يُفضي إلى شيء
أنتظرُ...
أن ينضجَ الصمت
وأحملَه بين كفّي
كوصيّةٍ غير مكتوبة.
3
في داخلي نايٌ
كُسرتْ نغمتُه الأخيرة
وما زال يعزفُ صمتًا
يشبه نباحًا في فجرٍ أعمى.
أفتحُ صدري لريحٍ
تُربّتُ على كتفي كأمٍّ نسيت أسماء أولادها
أمشي بخطى تُشبه صلاةً
لم تكتملْ.
كلُّ شجرةٍ في ذاكرتي
تحمل اسمًا
دفنته في قصيدةٍ لم أكتبها بعد
وكلُّ حريقٍ
مرآةٌ أطلُّ منها على وجهٍ لا يشبهني.
أنقرُ على الجدار
كأنني أُراودُ الليلَ عن صمته
أجمعُ غبارَ الشكّ
وأذرّه على جرحٍ نسي كيف يبرأ.
اللغةُ طينٌ أعجنهُ بأوجاعي
وأبني منهُ بيتًا ليس له باب
ولا سقف
ولا جدران
فقط نافذة تُطلُّ على حقلٍ من رؤوسٍ مبتورة.
أُمسكُ بالقلمِ
كمن يمسكُ بعقربٍ
ينزفُ من ذيله حروفًا
تشربُها أوراقي ببطءِ ميتٍ
أُقيم له طقسَ الكتابة.
أنا لستُ سوى ظلّ
يعبرُ من تحتِ الكلمات
باحثًا عن ملامحه
في وجوهٍ لا تعرف كيف تبكي.
4
أمشي على حوافِّ الذاكرة
كأنني أحرثُ رملًا بصوتي
تُحدّق فيّ الجهاتُ الأربع
ولا جهةَ تحتويني.
كلّما كتبتُ
انسلّت منّي طيورٌ بلا مناقير
تحمل رسائلَ لم يقرأها أحد
وتعود مثقلةً بخيبةٍ
تقطرُ من أجنحتها سطورٌ مبتورة.
أنامُ في فراشٍ من أسئلة
تتململُ تحتي الأحلامُ
كعُملةٍ سقطت بين الأرصفة
تُصفّرُ الريحُ حولها
ولا يلتقطها أحد.
وجهي كتابٌ مفتوح
نزعتُ عنه الغلاف
وبقيتُ أقرأني
كلّما أغمضتُ جفنيّ
أصفّقُ لذاكرتي
كأنها ممثلٌ فاشل
نسي دوره في منتصف العرض.
أُجرّ الصوت من حنجرته
وأُعلّقهُ على مشجبِ البوح
أرقبُ الكلماتِ وهي تتدلّى
كجثثٍ لا تجد ترابها.
أعيش في جملةٍ شرطيةٍ
معلّقةٍ بين "لو" و"لكن"
وفي قلبي
مدينةٌ بلا مداخل
كلّما حاولتُ الدخولَ
صادفتُني واقفًا على الباب
أرفضُ أن أفتح لنفسي.
ها أنا أصلُ
لا إلى نهاية
بل إلى حافةٍ أرقَّ من الورق
أقفُ هناك وألوّحُ لظلي
الذي سبقني إلى الغياب.
أُسدِلُ ستارةَ القلب
وأطفئُ قنديلَ الجُمل
لم يتبقَّ منّي سوى نفسٍ دافئ
عالِقٍ بين حبرٍ جاف
وصوتٍ لم يصرخْ بعد.
الكتابةُ لم تُشفِني
لكنها علّمتني
كيف أنجو بلا جناحين
وكيف أرمّمُ عُزلتي
بأبجديةٍ لا تُجيدُ الطمأنينة.
فإن سألوك عنّي، قل:
كان يكتبُ كمن يخلعُ جلدهُ
بحثًا عن وجهٍ
يليقُ بهذا الانطفاء.






