كأن الحياةَ تقرؤني من كتابٍ غير مرئي
كيف لا تموتُ الرائحةُ في القميصِ
والدمُ يشهدُ بأن الروحَ ماتت؟
كيف تُبنى القصيدةُ من حطام الألم؟
كيف لغيمةٍ في السماء أن تصبح امرأةً وبحراً ونصف مدينة؟
كيف لها أن تصبح أيَّ شيءٍ في الدنيا
إلا أن تكون معك وأنت وحدك؟
لو كنت أملك القدرةَ لجعلت العالمَ كله يحتضنك كما تفعل أنت معه
لكني لستُ العالم
أنا فقط كاتبة
أكتب لمواساة نفسي
حين أعجز عن الإحاطة بشعورٍ كثيفٍ كالفقد، ثقيلٍ كالخسارة.
تركتُ مدني من أجل مهمة لا أعرفها،
وفي داخلي استعدادٌ دائمٌ للرحيل والمغادرة.
لا أريد شيئًا لنفسي من هذا الوجود،
فقط أن أُترَك لشأني.
أحسد نضال وهي تجيد الرقص أمام الجميع وتجيد الوقوع في الحب،
والنوم حتى بعد منتصف النهار،
وحين تصحو تقضي الساعات في الأحاديث الطويلة، النكات والضحك والمرح،
بلا توقف، لكنها لا تجيد الحبَّ في ذاته،
ولا تعرف القلقَ الشديد عند الافتراق…
وكيف يتلاشى الحماسُ
عندما تبدأ ضغوطُ الحياة
وتختفي الفراشاتُ من المعدة، ويصبح الجنسُ مهمةً شاقة، وتأتي الحدةُ في التعامل،
حينها تعرف أنك تجيد الحب.
أخاف أن يمر يومٌ لا يسألني فيه أحدٌ عن فكرتي،
أن أنساني وأنسى قديمَ الحبِّ الواسع على حقيقتي وحلمي،
أترك نسختي القديمة على قارعةِ طريقٍ سرتُ عليه طويلًا.. طريقٍ لم يكن بالصحة الكافية،
أغرز إبرةَ الأنسولين في جسده الذي رُكِّب بعضُه كما فقماتِ السواحل النافقة.
هكذا أصاحب المجهولَ وأحمل باطمئنانٍ كاذب نهايةَ أقداري مثل مسيحٍ مطمئن يسير بقدميه إلى صلبه.
وقبل أن تكبو فرسُ اللهاثِ في صدري،
يتلقفني مقعدي قربه،
يجرحُ حروفي الوليدةَ، فأصارع العبارةَ مئةَ مرة،
ثم أمدد جزعي على مذبحِ نشراتِ الأخبار،
أو ألجأ إلى فيلمٍ سخيفٍ، ينقذ رأسي من مطرقة الأحاديث،
ومخرزِ الصداع الذي يوغل في رأسي.
كرهتُ إقناعَ نفسي بأني إنسانةٌ عاقلة
لأحتمل شكواه،
وبرودةَ أطرافه المتكسّرة في صدري،
وتكرارَ ادعائي بانتصاراتٍ سرية،
وانسحابي مِن قراراتٍ خاطئة،
لا زلتُ أنغرس بوحلِ التجربة،
أنغرسُ في اليد التي لطالما تمسكتُ بها دون أن تُسعفني.
فأنا لا أنتظر النجدةَ من أحد،
رغم ألفِ أحدٍ حولي،
ولا صديقَ يحتمل أن يرافقني إلى مئةِ قدم.
أحيانًا أُحِب وأحيانًا أُحَب،
وفي أحايين كثيرة،
أكره ويُكره وجودي،
كما الحرب،
بعد أن ضاع ما يستحق السؤال:
الأب والدار.
هذه الليلةَ الحرارةُ عالية،
تفتك برأسي، تنزل قطراتُ العرقِ على جبيني. أمسحها مرارًا وتكرارًا. ألقي بهياكل روحي المرهقة في ظلمة الليل.
لا صوتَ في الخارج سوى أصواتِ الحشرات وكلبٍ يعوي بعيدًا.
يغريني السكونُ بنسجِ رحلةٍ من خيالي. مشاهدُ لأحداثٍ مخملية.
أختار بلدًا أوروبيًا من تلك البلاد التي أتحدث عنها وحبيبي يوميًا. أجد لنفسي متجرًا صغيرًا أبيع فيه الزهور، وشقةً تطل على الشارع الذي سأقطن فيه. أتخيله ملوّنًا، يعجُّ بالأضواء، أضواءٍ لا تنطفئ، ويومياتٍ بسيطةً لا تتخللها إنجازاتٌ كبيرة.
أغادر منطقَ الثوراتِ والانفجارات.
أعيش بفكرٍ غائبٍ وفؤادٍ فارغٍ بلا أي أمل.
بعد كل هذه التفاصيل، يجيء يومُ الرحيل عن هذه البقعة البائسة من الأرض.
تأتي لحظةُ الوداع. ليومِ الرحيل عن مقتلة هذه البلاد.
حين تصبح رائحةُ جسدي كما رائحةِ الجبنة،
كل هذا الغضب كان حبًا في يوم ما
وكما يموت الحبُّ غريبًا
في مدن العالم
بلا أي علامة استفهام.







التعليقات