انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يتحول وجع الروح إلى حساب مصرفي!

د.أحمد فاتح محمد
د.أحمد فاتح محمد

باحث وأديب عراقي

2 دقائق للقراءة
14 مشاهدة
حين يتحول وجع الروح إلى حساب مصرفي!
مشاركة:

في كتابه الرائع عزاءات الفلسفة، يذكرنا أندريه غيد بأن المصيبة الكبرى لا تكمن في غياب العدالة، بل في مأسستها وتحويلها إلى
آلة صماء لا تشعر بوجع البشر. تذكرت هذه العبارة وأنا أتأمل متون القانون المدني وشروح نظرية الالتزام، التي تحولت بمرور
الأيام من فضاء إنساني يهدف إلى صون كرامة الكائن، إلى مجرد معادلات حسابية وأرقام جافة تُكتب ببرود في غرف القضاة
المغلقة.
كيف يمكن لـ مادة قانونية أن تقيس أنين الضمير البشري؟ وكيف استطاع المشرع المعاصر، في رحلته الطويلة نحو المادية المفرطة
أن يفصل بين التعويض وبين روح الإنسان المنتهك؟ إن ما يحدث اليوم في قاعات المحاكم هو نوع من الاغتراب الوجودي حيث
يُطلب من الإنسان الذي تحطمت كرامته أو هُدرت إنسانيته، أن يقف أمام منصة القضاء ليُترجِم مشاعره وأوجاعه إلى صك مالي
جاف، وكأن المال قادر على ترميم التصدعات التي تصيب الروح الحية.
وهنا اتذكر جان بول سارتر عندما قال و من اعماق وجدانه: العدالة ليست قانوناً يطبق بل هي حرية تعاش وكرامة تُسترد، وحين
يفقد القانون بعده الأخلاقي، يتحول إلى أداة تشيؤ الإنسان واغترابه.
إن هذه المقولة تكشف لنا عمق الأزمة فالأصل في المسؤولية لم يكن يوماً مجرد التزام ميكانيكي ينتهي بإيداع تعويض نقدي في ذمة
المتضرر المالية. كانت موقفاً أخلاقياً ووجودياً متكاملاً يعيد التوازن النفسي والوجداني للفرد داخل المجتمع. أما اليوم، فقد استسلمنا
لبلادة الضمير التشريعي؛ وأصبحت النصوص عبئاً ثقيلاً يخنق العدالة بدلاً من أن يحررها، فتحول القانون من حارس للحقوق إلى
مجرد دفتر حسابات يديره موظفون لا تعنيهم لوعة الوجدان.
إن القانون دون منبع أخلاقي إنساني ليس سوى جسد ميت، والتعويض المادي البحت الذي يتجاهل الضرر المعنوي والنفسي ليس
في حقيقته إلا تشريعاً مبطناً للانتهاك. نحن بحاجة ماسة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إنقاذ الفكر القانوني من هاوية التشيؤ
والآلية الصماء، وإعادة الاعتبار للإنسان؛ ليس كطرف في معادلة تعاقدية ضيقة، بل باعتباره القيمة العليا والمبتدأ والمنتهى الذي من
أجله وُجد النص أصلاً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال
آراء

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال أ.محمد إبراهيم الزموري لم يعد الحب يموت بالضرورة لأن أحدًا توقف عن الحب. أحيانًا يموت لأن العالم من حوله أصبح سريعًا إلى درجة لا تسمح له بأن ينضج. يبدأ الحب اليوم في زمن يريد كل شيء فورًا: الاستجابة الفورية، المتعة الفورية، الاختيار الفوري،…

· 9 د
واقعية الثبات والسيولة الرقمية
آراء

واقعية الثبات والسيولة الرقمية

أ.د محمد كريم الساعدي في عالم اليوم، لا يوجد فضاء حاكم بين الواقعي والافتراضي إلا بعملية التكوين الخاص بحدود السلوك والأخلاقيات في المجالات كافة، سواء أكان على المستوى النخبوي أم على المستوى الشعبي. لكن لكل فضاء من الفضائيين حدوده ومتبنياته الفكرية التي تنعكس على بناء الرؤية المرتبطة بتشكيل الفهم…

· 15 د
التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ
آراء

التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ

بداية أقول: حتى لا أتهم بأني من الذين يؤمنون بالنزعة الاقتصادويّة في تفسير حركة التاريخ المجتمعي, فأنا أومن بالعلاقة الجدليّة بين الواقع والفكر أولاً., وبأن كل مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة تؤثر ببعضها بعض بعلاقة جدليّة ثانياً, كونها كلها تسير عبر سيرورتها وصيرورتها…

· 5 د