. يا للشعر من كتابةٍ مرعبة ٍ !!
هربّ غاضباً لاعناً المكان ، ومستجيراً بربيع اللازمان ، وأخذ شياطينَهُ الخيرين والشرّرين معاً ، وعادَ آمناً إلى وادي عبقر أفتراضيّ ، في رحلةِ استجمام بعيداً عن عواصفِ القوافي .. رحلة تبدو طويلة إذا ما استمرت عدوى " كورونا الثقافية" توزّع فيروساتها ، وبدا أغلب الشعراء والكتّاب يعانونَ من" أنيميا ثقافية" ، وهم يفوضون أمرَهم إلى الوهم ، مستنجدين بالذكاء الإصطناعي .. إلى آلةٍ تشكو ضياع العاطفة التي لا سلطان عليها شرط الإبداع الخالد المثير ، محاولين من خلال ما تقذفُ بهِ رئة الآلة من حروفٍ بلا عطر الورق ، وبريق الحبر ، أن ينتجوا نصّاً ليس سوى "ثرثرة رقمية" .. وفي أسوأ الأحوال تبدو القصيدة عبرَ الذكاء الإصطناعي أشبه بـ" حيوان نافق"..!
. نعم ! بحروف الأسف ، ليسَ لدينا شعرٌ !! ولدينا شعراء !!
لا يتجاوزون وعلى امتدادِ الساحة الثقافية العربية أصابعَ اليدِ الواحدة وهم باقونَ يعبدون الإنصات لحظة التجلّي لديهم ، نسمعُ صمتهم الإلهي ، وعراك حروف قصائدهم في مصائف وبحار وحدائق الجمال والأصالة .
. لدينا شعراءُ ، ولكنهم كي يسهموا في سيمفونية الوجود ، فضلوا كتابة قصائدهم – نزيف أرواحهم على جدران غرفِ نومهم ، أو على قمصان أطفالهم أكثر خلوداً من صحافةٍ ثقافيةٍ عربية بدت كمرآةٍ مهشمة .. !
حالة احتضار الشعر ، هي بالضرورة احتضار المنابر الثقافية المهمة ، اختفى بعضها من دون اعتذار لنسلِ الخليل الفراهيدي ، ومنَ جاء بعدهُ من شعراء القريض والتفعيلة والنثر ، و نصوص روّاد الحداثة وما بعد الحداثة .. ومنابر أخرى خشيت عدوى فيروس الإختفاء ، وفي خجلٍ أصبحت رقمية ألكترونية ، وكتّابها وشعراؤها بدوا إفتراضيين ، لم يعد يسمع بها وبهم أحدٌ !!
ومنابر لم يعُدْ يعلمُ بها أحد ، ولا يتابعها أحد ، وهي فرصة سانحة للمهرجين والأدعياء ، وأراجوزات السوشال ميديا والتواصل الإجتماعي ،أن يروا أنفسهم شعراء ، وتوجّه لهم دعولت ، وشهادات تكريم من جهاتٍ مبهمة ، لا اسم ، ولا عنوان تمتليء بها كلّ صفحات الفيس بوك ، ويجاهرون في لقاءاتهم الزخرفية للانتقاص من شعراء كبار روّاد الحداثة الخالدين حتى نهاية الزمان : البياتي ، أدونيس ، محمد عفيفي مطر ، محمد الماغوط ، وغيرهم مَن كان الشعر لديهم تأدية صلاة !!
م يعُد الشعرُ ( رؤية ما لايُرى ، وسماعُ ما لايُسمع)!!
والشاعرُ سارقُ النار ، صار يحتمي بظلال الحروف التي لمْ تُكتبْ بعدُ ، وبما بعد الكلمات ، وعطر الأخيلة الطازجة ، شرط القصيدة الخالدة العظيمة !!
الشاعرُ خسرَ المعركة ! ويستنجد بقوافيه المتمرّدة، درءاً لنيران الجهل والتخلف والبلادة التي ترتّب لهيبها السوشال ميديا !!
. ليس للشعر جمهور ، شقيّ بنفسه، وهو ينظرُ بعينٍ دامعةٍ للزحام الذي تعاني منهُ أبواب ملاعب كرة القدم .. وسيل دموع الشعوب ، وقد بدت من لؤلؤٍ وكرستال .. لا يملك الشاعر هذه الأيام أيّ جماهيرية ، ولكي يحافظ على ندى وخضرة العشب الذي يضعُ عليه قدميه ، يحاولُ ترسيخ مفهوم ( لا شكل للكتابة) الذي جاء به الناقد السيميائي " رولان بارت" ، وهو يهرب تارة إلى الصحافة ومتنفسهُ يوميات ثقافية ، أو إلى النقد الرؤيوي الشعري الذي يعتمد الإيحاء التعبيري الجمالي .. كبديلٍ لما شحّ من نقدٍ هادفٍ .. وتارة في جرأةٍ يذهب بكلّ أسلحته اللفظية والخيالية إلى الرواية ، وقد سادَ مصطلح الأزمان ، متناسين جيش النقّاد ، أنّ لكل فنٍ زمنهُ ، وللشعر زمنهُ وهو لا يتنازلُ عن كرسيه الوثير لفنٍ آخر ..!!.
وهذا هو ( زمن الرواية) الذي يروّج لهُ نقّاد اليوم الحداثيين ومابعد الحداثة ، وصحافتنا الثقافية ، والشاعر الهارب من القصيدة إلى الرواية ، يحلمُ أن يجدَ اسمه في القائمة القصيرة أو الطويلة التي تتبناها مؤسسات ثقافية عديدة وجوائز لها أجندتها المريبة .. أو على الأقل يحضى بلقب ( روائي ) الأكثر حضوراً وقبولاً من لقب ( الشاعر) ..!!
. هكذا صرنا نعيش شعرَ اليوم صداعاً ، شحّ علاجهُ في كل صيدليات العالم ، لم نقرأ سوى ثرثرة استنجدت ببعض صحافة اليوم ، وفازت بلقب " القصائد السياحية" الحروف والكلمات في النصوص تكرهُ بعضها ، وقد غدت عبئاً ثقيلاً على بياض الورق ، وظلال الأقلام اللازوردي ، وعطر حميمية الأصابع !!
. الشعرُ حُلمٌ !!
لا تتسع له جفون عينيّ الأدعياء الذي يرون في الكتابة يقظة كاذبة .. والشعراءُ حالمون أبداً ، وقصائدهم ضفاف لا زورديّة في اللامكان !!
لم تعُد هناك سلطة للشعراء !!
والأدعياء والمهرجون يحكمون ..!!
الشعراء الحقيقيون تكتبهم القصيدة .. لا يذهبون إليها ، بلْ تأتي لهم على مركب أحلامهم !
الأدعياء يكتبون القصيدة ، ولا تأتي على مقاس طموحاتهم الكاذبة ، فينتجون شعراً هزيلاً ، حروفهُ تعاركُ بعضها ، إخفاقاً وفشلاً ، وموتاً بطيئاً !!







التعليقات