انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الغياب كمكان أخير  قراءة في رواية "گوگوش؛ هذه الليلة سجادة فارسية"

وفاء  داري
وفاء داري

ناقدة وأديبة فلسطينية

4 دقائق للقراءة
58 مشاهدة1 تعليق
الغياب كمكان أخير قراءة في رواية "گوگوش؛ هذه الليلة سجادة فارسية"
مشاركة:

هل يمكن للمكان أن يختفي تمامًا دون أن يترك ورائه سوى حنين عارم وشواهد قبور؟ في روايته "هذه الليلة سجادة فارسية"، لا يقدم الكاتب ياسين غالب مجرد سردٍ لذكريات مهاجر عراقي في كندا، بل يفتح أمامنا بابًا من الطابوق الجمهوري الأصفر على أزقة البصرة القديمة، لينسج من الغياب والحنين لوحةً تشبه السجاد الفارسية في تعقدها وجمالها.

تنتمي الرواية إلى أدب السيرة الذاتية التخييلية وأدب الشتات أو النزوح. إنها رواية ذاكرة بامتياز، تتقاطع فيها المأساة الشخصية مع التحولات السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط، وتتخذ من الغربة في كندا مسرحًا لاسترجاع الزمان المفقود.في رواية " كوكوش: هذه الليلة سجادة فارسية"، ينسج ياسين غالب من الذاكرة خيطًا يصل بين الحرب والحب والمنفى، وطفولة أعيد تشكيلها بعيدًا عن الوطن. تبدأ الحكاية في ليلة أُنتظرت اثنتين وعشرين عامًا، حين يصدح صوت أيقونة البوب الإيرانية كوكوش ليفتح أبواب الماضي المؤجل. تتنقل الأحداث بين محطات متباعدة خاضت تجارب الحرب واللجوء والانتفاضة؛ تجمعها ذاكرة واحدة ومشاعر ظلّت معلقة. ومن صورة قديمة إلى صوتٍ حُرِم طويلاً من الغناء، تتوالى الذكريات لتؤكد أن الماضي لم ينته، بل كان ينتظر لحظة العودة.

الغياب كمكان أخير

 قراءة في رواية "گوگوش؛ هذه الليلة سجادة فارسية"

العنوان والغلاف

 العنوان: "هذه الليلة سجادة فارسية" يحمل حمولة نمطية ورمزية عالية. إنه يربط بين الفن الفارسي الرفيع المشبع بالتاريخ (السجادة) وبين ليلة حاسمة تعود فيها الفنانة الإيرانية "كوكوش" للغناء، مرمزًا للذاكرة التي تعتقها الأيام وتزيدها قيمة وروعة كلما مر عليها الزمن.

الغلاف والإهداء: بافتتاحه بالإهداء "إلى أمي وأخي... والغياب"، ومقدمة ببيت للشاعر الإيراني سهراب سپهري، يُهيئ الغلاف المحتوى البصري والفلسفي للرواية، متيحًا للقارئ الدخول في عالم من الحزن الشفيف والتأمل.

اللغة والأسلوب الأدبي

جاءت اللغة فصيحة، مرنة، وممتلئة بالإيقاع الوجداني دون أن تسقط في الفخ الأكاديمي الصارم أو الإنشاء المبتذل. استطاع الكاتب أن يوازن بين سردية التفاصيل اليومية (كرائحة "قرمة سبزي" وأكل الشاورما ومشاكل الفواتير الكندية) وبين التأملات الوجودية حول "الغياب" و"الذاكرة". اعتمد الأسلوب على الحوارات الذكية الشفافة بين بطل الرواية "لؤي" وزوجته الكندية "إيما"، أو بينه وبين طفلته "سارة"، ممزوجة بلهجة بصرية عراقية تظهر في الحوارات القديمة لتحافظ على الأصالة والتلقائية.

التقنيات السردية

تنوعت التقنيات السردية في النص لتشمل:

- الاسترجاع: الانتقال السلس بين حاضر الراوي في حي بكندا وبين طفولته ومراهقته في محلة "الكزارة" بالبصرة.

- التناص والتوازيات السردية: عقد مقارنة مذهلة بين اختفاء قرية "المبانك" الأيرلندية في كندا وتحولها لمطار، وبين هدم وإخلاء بيوت البصرة واختفاء عوائلها (كبيت "تيب توب" الإيراني).

- الرمزية المكثفة: الرمزية حاضرة بقوة من خلال: فردة الحذاء الحمراء الناقصة التي تشير إلى طفولة معلقة وحب لم يكتمل.

 تفاحة گوگوش غير النضرة. صينية الرحمة وثواب ليلة الجمعة كجسر بين عالم الأحياء والأموات.

تكمن قوة العمل الأدبي في قدرته الفائقة على النفاذ إلى عمق الطرح الإنساني، حيث ينجح ياسين غالب في إظهار كيف تتماثل مشاعر الفقد والهجرة وتتقاطع بين مختلف الثقافات؛ فلا فرق هنا بين وجع عراقي، أو حنين إيراني، أو اغتراب أيرلندي. يظهر هذا التماثل جليًا من خلال بناء شخصيات مرسومة بعناية فائقة، وعلى رأسها شخصية الراوي "لؤي"، الذي يتحرك كنسّاج ماهر للحكاية، يعرف تمامًا متى يشد عقدة السرد ومتى يتركها ناقصة لتسكن مخيلة القارئ. يكتمل هذا البناء الجمالي بالرسم الساحر لشخصية الجارة "گوگوش" والأخوات، وهو ما أضفى لمسة غرائبية شفافة على البيئة الشعبية البصرية. كما يتجلى هذا الثراء في الإيقاع المتدرج للسرد، والذي ينساب بلطف من مشاكسات الطفولة ولوعة المراهقة إلى هدوء واستقرار الغربة الكندية الباردة.

ومع ذلك، لا يخلو هذا العمل السردي الدافئ من بعض المآخذ الفنية التي تبقى في حدود الفرص المتاحة للتحسين، دون أن تمس بجوهر القيمة الأدبية للرواية. يُلاحظ القارئ تكرارًا في بعض المشاهد والعبارات الشديدة الشحن الوجداني مثل وصف النافذة والرائحة وأغنية "من آمده ام" وهو ما يضعف التأثير في بعض الفصول. كما تبرز أحيانًا نبرة من المباشرة السياسية، حيث تتسلل الشروحات التاريخية التقريرية حول حزب البعث، والتبعية الفارسية، وجهاز السافاك، لتكسر مؤقتًا انسيابية السرد الوجداني وتفقد النص بعض حريته الشاعرية.

تتوج الرواية بنهاية متسقة ومقنعة مع بنائها الفلسفي؛ إذ لا يطرح لقاء الراوي بجارته في حفل المغنية الإيرانية بعد واحد وعشرين عامًا في تورونتو إجابات راديكالية أو استغلاقًا رومانسيًا سحريًا، بل يقدم "اعترافًا بالذاكرة". إن لحظة اللقاء العابرة عبر عطر "ياس سفيد" تجمد الزمن وتلخص المقصد الرئيسي للنص: فالذين يرحلون لا يعودون أبدًا كما كانوا، لكن الذاكرة تمامًا كالسجادة الفارسية تبقي أرواحهم حية ومحتفظة ببريقها.

في الختام تظل "هذه الليلة سجادة فارسية" نصًا إنسانيًا دافئًا يمس جراح الاغتراب وحمولات الذاكرة بأسلوب أدبي رقيق يبتعد عن التصنع، ليترك في نفس القارئ تساؤلًا ممتدًا حول ما نتركه خلفنا، وما نصرّ على حمله معنا حين نُقتلع من جذورنا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د