انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المهمش المسحوق في قصة (صيد العفريت) ضمن مجموعة جنون وما أشبه لنجمان ياسين

د. بشار نديم الباججي
د. بشار نديم الباججي

ناقد وأديب عراقي

5 دقائق للقراءة
64 مشاهدة
المهمش المسحوق في قصة (صيد العفريت) ضمن مجموعة جنون وما أشبه لنجمان ياسين
مشاركة:

لا تنشغل قصة "صيد العفريت" لنجمان ياسين بسرد حكاية مجنون يعيش على هامش المجتمع بقدر ما تنشغل بكشف طبيعة المجتمع نفسه وكيفية تعامله مع المختلف. فالشخصية التي يطلق عليها الناس اسم «حولي» لا تبدو في النص مجرد إنسان فاقد للعقل، بل تتحول إلى مرآة تنعكس عليها قسوة الجماعة وأحكامها المسبقة. ومنذ اللحظة الأولى يلفت الكاتب الانتباه إلى أن الاسم الذي يطلقه الناس على هذه الشخصية ليس اسمًا حقيقيًا، بل لقب يحمل في داخله معنى الانتقاص والسخرية، وكأن المجتمع لا يكتفي بعزل هذا الإنسان، بل يسلبه هويته أيضًا.

ويكشف اختيار هذا اللقب عن آلية اجتماعية تقوم على اختزال الإنسان في صفة واحدة، فيفقد اسمه وتاريخه وخصوصيته، ويصبح مجرد موضوع للتندر أو الشفقة أو الخوف. وهنا يوجه نجمان ياسين نقدًا عميقًا إلى ثقافة الوصم الاجتماعي، حيث تتحول اللغة إلى أداة للإقصاء، ويغدو اللقب وسيلة لترسيخ الفوارق بين العاقل والمجنون. فالكاتب لا يهاجم أفرادًا بعينهم، وإنما يكشف بنية ثقافية تسمح بتحويل الإنسان المختلف إلى كائن هامشي فاقد للكرامة.

المهمش المسحوق

 في قصة (صيد العفريت) ضمن مجموعة جنون وما أشبه لنجمان ياسين

ويكتسب عنوان القصة صيد العفريت قيمة رمزية لافتة؛ فالعفريت في المخيال الشعبي يمثل كائنًا غامضًا ومخيفًا يصعب الإمساك به، غير أن العنوان يثير منذ البداية سؤالًا حول هوية هذا العفريت. هل هو ذلك المجنون الذي يطارده الناس بأحكامهم الساخرة؟ أم أن العفريت الحقيقي هو الجهل والخوف اللذان يدفعان المجتمع إلى صناعة صورة مشوهة عن الإنسان المختلف؟ ومن هذا المنظور لا يعود العنوان وصفًا لحدث، بل يصبح مفتاحًا لتأويل النص بأكمله، إذ يحول القارئ من متابعة الوقائع إلى البحث عن الدلالات الكامنة وراءها.

ويبدو أن نجمان ياسين يعمد إلى قلب العلاقة التقليدية بين العاقل والمجنون. فالشخصية التي ينظر إليها الناس بوصفها فاقدة للعقل تبدو أقل إيذاءً من أولئك الذين يسخرون منها ويعاملونها بقسوة، بينما يكشف سلوك الجماعة عن نوع آخر من الجنون، هو جنون التعصب والازدراء وانعدام التعاطف. وبهذا يصبح الجنون الحقيقي صفة أخلاقية واجتماعية أكثر منه حالة عقلية، وتتحول القصة إلى مساءلة للقيم السائدة بدل أن تكون وصفًا لحالة فردية.

وتبرز في القصة ملامح النقد الاجتماعي من خلال تصوير المجتمع وهو يعيد إنتاج الصور النمطية عن المرضى النفسيين أو ذوي الاضطرابات العقلية، فلا ينظر إليهم بوصفهم أفرادًا يحتاجون إلى الرعاية والاحتواء، بل بوصفهم مادة للسخرية أو وسيلة للتسلية. ومن هنا ينجح الكاتب في فضح أشكال العنف الرمزي التي قد تكون أشد قسوة من العنف المادي، لأن أثرها يمتد إلى هوية الإنسان وإحساسه بذاته.

كما تكشف القصة عن حس إنساني واضح، إذ تدعو ضمنًا إلى إعادة النظر في مفهوم الاختلاف. فالشخصية المهمشة ليست خطرًا على المجتمع بقدر ما هي ضحية له، والكاتب يطالب القارئ، من خلال البناء السردي والرمزي، بأن يتجاوز الأحكام الجاهزة وأن ينظر إلى الإنسان قبل أن ينظر إلى صفته أو حالته. وبهذا تتحول القصة إلى دفاع عن الكرامة الإنسانية وإدانة لكل أشكال التنميط والإقصاء.

ومن الناحية الفنية، يعتمد نجمان ياسين على الرمز والإيحاء أكثر من اعتماده على الخطاب المباشر، فلا يعلن موقفه صراحة، وإنما يترك الأحداث والأسماء والتفاصيل اليومية تكشف التناقض بين إنسانية الشخصية المهمشة وقسوة المجتمع المحيط بها. وهذه التقنية تمنح النص بعدًا تأويليًا واسعًا، إذ يمكن قراءته بوصفه نقدًا لمعاملة المرضى النفسيين، كما يمكن قراءته بوصفه نقدًا لكل مجتمع يصنع «آخره» المختلف ثم يعاقبه لأنه مختلف.

المهمش المسحوق

 في قصة (صيد العفريت) ضمن مجموعة جنون وما أشبه لنجمان ياسين

إن القيمة الأدبية لقصة (صيد العفريت) لا تكمن في حكايتها وحدها، بل في قدرتها على تحويل شخصية هامشية إلى مركز للرؤية السردية، وعلى كشف التناقض بين ادعاء المجتمع التحضر وبين ممارساته اليومية القائمة على السخرية والنبذ. ومن خلال هذه الرؤية يثبت نجمان ياسين أن الأدب قادر على الدفاع عن الفئات المهمشة، وأن القصة القصيرة ليست مجرد وسيلة للحكي، بل أداة نقدية تكشف البنى الثقافية والاجتماعية التي تنتج الظلم والتمييز، وتدعو إلى ترسيخ قيم التعاطف والاعتراف بإنسانية الآخر مهما بدا مختلفًا إن القيمة الأدبية لقصة (صيد العفريت) لا تكمن في حكايتها وحدها، بل في قدرتها على تحويل شخصية هامشية إلى مركز للرؤية السردية. فالشخصية التي ينظر إليها المجتمع بوصفها (مجنونة) لا تؤدي وظيفة ثانوية في بناء الحدث، وإنما تصبح المحور الذي تُختبر من خلاله منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية. فنجمان ياسين لا يجعل القارئ يراقب شخصية (حولي) بوصفها حالة مرضية أو موضوعًا للشفقة، وإنما يدفعه إلى تأمل المجتمع الذي أنتج هذا التصنيف وتعامل معه بوصفه حقيقة نهائية. وبهذا تنتقل بؤرة السرد من مساءلة الفرد إلى مساءلة الجماعة، ومن البحث في أسباب الجنون إلى البحث في أسباب القسوة الاجتماعية.

وتتجلى أهمية هذه التقنية في أن الكاتب يقلب العلاقة التقليدية بين المركز والهامش؛ فبينما اعتادت السرديات الواقعية أن تمنح البطولة للشخصيات الفاعلة أو المؤثرة اجتماعيًا، يمنح نجمان ياسين مركزية السرد لشخصية منبوذة لا تمتلك سلطة ولا مكانة، لكنها تمتلك قدرة استثنائية على كشف التناقضات الأخلاقية للمجتمع. فوجود (حولي) في النص لا يؤدي إلى تحريك الحدث بقدر ما يؤدي إلى فضح نظرة الآخرين إليه، ولذلك يغدو المجتمع نفسه الشخصية التي تخضع للمحاكمة النقدية.

ولا يقف الكاتب عند حدود تصوير المعاناة الفردية، بل يكشف أن عملية التهميش تبدأ باللغة ذاتها. فالاسم الذي يطلقه الناس على الشخصية ليس مجرد وسيلة للتعريف، وإنما هو فعل رمزي يمارس الإقصاء ويجرد الإنسان من فرديته، إذ يتحول إلى علامة تختزل وجوده كله في صفة ساخرة أو مهينة. ومن ثم يصبح اللقب أداة للعنف الرمزي، لأنه يعيد إنتاج الصورة النمطية ويكرسها في الوعي الجمعي، حتى يغدو الإنسان أسير التسمية التي فرضها عليه الآخرون.

ومن هنا تتحول شخصية (حولي) إلى رمز لكل إنسان دفعته ظروفه النفسية أو الاجتماعية إلى هامش الحياة، بينما يتحول المجتمع إلى موضوع للنقد بوصفه المسؤول عن إنتاج هذا الهامش واستدامته. وبهذه الرؤية يغادر النص حدود الواقعة الجزئية ليطرح سؤالًا إنسانيًا أوسع يتعلق بحق الإنسان في الكرامة والاعتراف، ويجعل من الدفاع عن المهمشين قيمة جمالية وأخلاقية في آن واحد، وهي من أبرز السمات التي تمنح القصة بعدها الإنساني وتؤكد نضج رؤيتها النقدية.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٦ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٤٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د