انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

تراجيديا سردية عبر الزمن و المكان قراءة في رواية ( ساعة في جيب الملك ) لميسلون هادي

حيدر عبد الرضا
حيدر عبد الرضا

كاتب وناقد عراقي

5 دقائق للقراءة
48 مشاهدة
تراجيديا سردية عبر الزمن و المكانقراءة في رواية (ساعة في جيب الملك) لميسلون هادي
مشاركة:

تراجيديا سردية عبر الزمن و المكان

قراءة في رواية ( ساعة في جيب الملك ) لميسلون هادي

توطئة :

لعل إن القارئ النموذجي للنصوص الروائية يستخدم مرجعياته و آليات تأويله الخاصة بعيدا عن حجم المعولات على أهمية سياقات بعض النصوص إعلاميا و تسويقيا . إذن القارئ و القراءة بناء تأويل القارئ ، و هو مؤسس على عملية مؤولات الناقد ، و ليس بالضرورة أن تلتقي مستويات المفاهيم التقويمية في مجال واحد من دائرة تصالح وجهة نظر الناقد الروائي . من المحتمل أن تكون فرضيات الكاتب الروائي لنصه محض استلهامات ذاكراتية اسقطتها إيصالات خيالات مفرطة في امتثالاتها لليومي و الواقعي المعاش أو ذلك التاريخي المجلوب بلوغا لأهداف لم تخبرها صنعة الروائي بطريقة متماسكة و رصينة . لعلنا من هنا نقرأ و نحدد مؤديات رواية ( ساعة في جيب الملك ) لميسلون هادي .. إذ هي رواية تمت كتابتها وفقا لمقاييس ذاتية مفرطة من آليات نمطية يمكنها توظيفها داخل مساحة قصة قصيرة فحسب ، كما ولا يتطلب أمر موضوعتها من ميسلون هادي تكريسها داخل محطات عمل روائي يقابل في أحسن أحواله حكاية سيرة ذاتية تحديدا .

ــ الوظيفة السردية والأداة الوصفية .

إن الرواية بوصفها إجمالا لا تقدم أحداثا و أفعالا ، لذا فهي تقدم سردا روائيا ، غير أن تلك الأحداث و الأفعال تتطلب وجود سببية مقنعة في دائرة طاقة حدوثية جادة . ولكننا لم نعاين في سرد رواية ( ميسلون هادي ) سوى مجموعة حوادث تبدو من خلالها أحوال الشخوص و الأشياء و كأنها مظاهر مجموعة صور و فقرات تم لصقها بشكل و آخر حتى تكتمل آليات النسيج السردي ، كحال شخصية الوصي و الملك ونور و إسماعيل باشا و نادرة و شخصية الأم . الرواية تتأسس على جملة حالات ذاكراتية يعوزها دقة الصياغة و السبك و الاقناعية التي من شأنها تحويل المحتملات الذاكراتية إلى تصورات مؤولة تتسع و تستوعب رهانات معادلات الكتابة الحقة . يمكن للرواية أن تلخص و تسجل و تحفظ بعض القيم الصورية من ذاكراتنا ، و لكنها في ذات الوقت تتطلب من الكاتب صنعة حقيقية في تدوين التفاصيل الأكثر شعرية في رسم المواقف والأحداث و علاقات مسار نمو الحكي . و لو دققنا في وحدات الأحداث الروائية في رواية ( ساعة في جيب الملك ) لوجدناها تتلخص في عرض الوحدات الأكثر تفصيلا بحياة الشخصية نور و حياتها في مدينة لندن و حول علاقتها الهشة باسماعيل باشا ثم توافينا بأحداث عودتها من لندن إلى العراق حين مكوثها مع نادرة و حكاية ذلك التسجيل الذي تحكي فيه أمها إلى الطفلة سناريا كيفية مقتل عائلة الملك فيصل . عموما إن طريقة عرض التسجيل تمت بطريقة نمطية جدا ، و قد عفى عليها زمن التقانات الروائية تماما ، في الحقيقة إن رواية ( ساعة في جيب الملك ) هي الأرساليات السردية المتكونة من السرد و الوصف على نحو راحت تنتج منه فضاءات الزمن و المكان بطريقة تشبه الهذيان بهوس مكونات الواقع و الاستيهام : ( في تلك الليلة التي سبقت فجر الثورة . جاء عبد الإله بساحر هندي إلى القصر يقوم بألعاب سحرية و بهلوانية تخدع و تظلل المشاهد / تضمنت تلك الألعاب نزع ساعة أحد الموجودين ، ثم البحث عنها في كل الجيوب و العثور عليها في جيب الملك فيصل . / ص187 الرواية ) على هذا النحو و ذاك تواجهنا تقنيات السرد في أشكال ممجوجة من التحايل و الحبكة . الرواية عبر ترتيبها للمحكي لا تقدم لنا سوى حكاية تشبه ( الحدوتة ؟! ) و هي بجملتها لا تعبر عن أي مستوى بؤروي ذات خيوط داخلية و خارجية محبوكة . تبدأ دلالات الرواية من خلال بنية استهلالية بعرض من خلالها شخصية الوصي عبد الإله ضمن خلفية دراماتيكية تتوزع بين أصداء العلاقة الخفية و استدعائية الزمن بروح المكان البانورامي : ( هبط الأمير درجات قصر الرحاب متوجها إلى الطريق المؤدي نحو الشارع العام .. كان يسير متثاقلا ببطء ، و أنا أسير بعيدا عنه بسكون .. فلا أسمع سوى صيحات الطواويس تنطلق بشكل زاعق في الظلام .. / ص5 الرواية ) على هذا النحو تدور ارهاصات الفضاء الروائي بين العائلة الملكية و صوت ( السارد الشاهد ) ضمن تفاصيل تأخذ مداها التوتوري للزمن و نؤثثات مساحات الاسترجاع و خطاب الذاكرة المحفوفة بملامح الخوف الداخلي و الخارجي.

ــ صور الموت و التمثيلات المعادلة في السرد .

ما جعلني ألتفت إلى مستوى جمالية إنتاج الحكي في الفقرات الخاصة من زمن عملية الأصغاء إلى تلك الحوارية الجارية ما بين الجدة و حفيدتها ، هو ذلك الحكي الذي كان جاريا على لسان الجدة و هي تطيل من سرد حكاية عائلة الملك فيصل و كيفية اغتيالهم من خلال ثورة الضابط ، و لكن الأدق في مسألة تلك الحكاية المنقولة هو ما يحدث بين الجدة و حفيدتها من لغة حوارية كانت تبلغ بذاتها مبلغا بلاغيا في الإيصال و حجم التأثير ، و الأكثر تأثيرا هو موت الجدة تزامنا مع وقائع شخوص الحكاية تعالقا مع أحدى الغارات الأمريكية التي كانت تدوي في سماء بغداد ، فما كان للجدة سوى الخوف على حفيدتها من جراء الضربات الجوية الحاصلة حينذاك مخلفتا موتها المرشح على هيئة فاصلة غيابية في التسجيل حيث راح يتضاعف صراخ و بكاء على الحفيدة على حادث موت الجدة ، فيما راحت الشخصية نور تطيل من البكاء و العويل في الوقت الذي تعلم به كيفية موت أمها أثناء سردها حكاية العائلة الملكية في ذلك التسجيل الذي قامت الشخصية نادرة بمتابعته منذ البدء و المنتهى .

ــ تعليق القراءة :

عموما نقول تختلط الصور و الملامح بين الزمن الموضوعي و الذاتي ، لتزداد سمات مقاليد المكان أكثر بلوغا في جدران الذاكرة و تردد أصداء ذويها ضمن معالم الخوف و التيه و الفقدان و الاغتراب القدري الساحق . لقد حققت الروائية ميسلون هادي عبر فصول روايتها أثرا في موضوعة حكايتها و لكنها للأسف لم تقدم لنا آليات روايتها ضمن حدود تقانية مدعومة بشرائط المخيلة المدربة و لا من جهة الحالالات البنائية للنص ذاته ، لذا بقيت روايتها محض صور و ملامح تستعيد حكاية حزينة و عابرة على الخلود الروائي الابداعي الجاد و الجديد .  

 

مشاركة:

آخر تحديث: ١٧ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٣٨ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د