انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

دراسة العتبات بوصفها مفاتيح للقراءة. في رواية "جزيرة السلام" لعبد الرحمان بولنوار

محمد محقق
محمد محقق

ناقد وأديب مغربي

5 دقائق للقراءة
56 مشاهدة
دراسة العتبات بوصفها مفاتيح للقراءة. في رواية "جزيرة السلام" لعبد الرحمان بولنوار
مشاركة:
دراسة العتبات بوصفها مفاتيح للقراءة.

في رواية "جزيرة السلام" لعبد الرحمان بولنوار

العنوان: "جزيرة السلام".

منذ النظرة الأولى، يضعنا غلاف "جزيرة السلام" أمام مفارقة شديدة الذكاء، وإن بدت هادئة في ظاهرها، فالعنوان في حد ذاته يقوم على تركيب موحٍ: جزيرة من جهة، والسلام من جهة أخرى. والجزيرة، في الوعي الرمزي، ليست مجرد قطعة أرض يحيط بها الماء، بل هي صورة العزلة، والانفصال، والانكفاء، وربما النجاة أيضًا. أما السلام، فهو من أكثر الكلمات نقاءً وحمولةً أخلاقية وروحية في اللغة. لكن اجتماع الكلمتين لا ينتج طمأنينة خالصة، بل يفتح سؤالًا خفيًا: هل السلام هنا متاح للجميع، أم أنه محاصر داخل جزيرة؟ هل هو حالة عامة، أم بقعة نادرة معزولة عن عالم مضطرب؟ وهنا تبدأ بلاغة العنوان الحقيقية، لأنه لا يقدّم السلام باعتباره أفقًا ممتدًا، بل باعتباره مكانًا منفصلًا، أو قل فردوسًا صغيرًا قائمًا وسط ماء واسع، أي وسط عالم لا نعرف إن كان يحميه أم يعزله.

وهذا ما يمنح العنوان طاقته الشعرية، فلو كان الاسم مثلًا "أرض السلام" أو "مدينة السلام" لكان المعنى أكثر مباشرة واتساعًا. أما "جزيرة السلام" فيجعل الصفاء نفسه شيئًا نادرًا، محاطًا، هشًّا، قابلًا لأن يكون ملاذًا وقابلًا أيضًا لأن يكون منفى.

ومن الناحية البلاغية الصرف، فإن العنوان يقوم على إضافة ذات شحنة رمزية عالية؛ فالسلام لا يأتي هنا صفةً عابرة للجزيرة، بل يأتي كأنه جوهرها أو هويتها، وهذا يجعل المكان متحوّلًا إلى قيمة. لم تعد الجزيرة جغرافيا فحسب، بل صارت معنى، وهنا يتحول الفضاء الروائي المتوقع من فضاء مادي إلى فضاء دلالي: نحن لا ندخل فقط إلى مكان، بل إلى تصور عن العالم، أو إلى حلم بمكان تتجسد فيه قيمة، مهددة خارجه.

دراسة العتبات بوصفها مفاتيح للقراءة.

في رواية "جزيرة السلام" لعبد الرحمان بولنوار

صورة الغلاف.

ويعزز الغلاف هذا الإحساس بطريقة شديدة الرهافة؛ فالصورة المركزية تقدم جزيرة صغيرة صخرية تنبت فوقها أشجار تبدو ساكنة، هادئة، أشبه بأشجار زيتون أو أشجار برية معمّرة. الماء يحيط بها من كل جهة، والانعكاس في الأسفل يمنح المشهد هدوءًا تأمليًا واضحًا. لكن هذا الهدوء نفسه ليس ساذجًا؛ لأن الجزيرة ليست خضراء على نحو احتفالي، وليست مشغولة بترف بصري صاخب، بل تبدو كأنها مكان نجا من شيء، أو مكان حافظ على نفسه في عزلة طويلة. وهذا مهم جدًا، لأن الصورة لا تقول لنا إننا أمام سلام مريح ومفتوح، بل أمام سلام فيه شيء من الوقار والوحدة والصبر.

ويبرز في الغلاف أيضًا حضور الطيور البيضاء، وهي عنصر بصري شديد الدلالة، فالطائر الأبيض في الوعي الرمزي يرتبط غالبًا بالسلام، والروح، والتحليق، والخفة، وانفلات العنف. لكن وضع هذه الطيور في فضاء محيط بالجزيرة يجعلها تؤدي أكثر من وظيفة، فهي من جهة تؤكد معنى السلام، ومن جهة ثانية تمنح المشهد حركة خفيفة تكسر سكون الصخور والأشجار، أي أن الغلاف يبني توازنًا جميلًا بين الثبات الذي تمثله الجزيرة والتحرر الذي تمثله الطيور، وكأن السلام الحق، كما يوحي الغلاف، ويحتاج إلى أمرين معًا: أرض تقف، وروح تطير.

أما اللون العام للغلاف، فهو لون يغلب عليه البياض والرمادي المائي، وهذا اختيار موفق جدًا، لأن البياض هنا لا يؤدي وظيفة نظافة بصرية فقط، بل يمنح العنوان فضاءً من الصفاء الصامت، فيما يضيف الرمادي المائي مسحة من التأمل والحزن الخفيف. فلو كانت الألوان أكثر حدة ودفئًا، لفقد الغلاف شيئًا من تأمله. أما بهذا التوزيع، فإننا نشعر أن الرواية، على الأقل من جهة عتبتها، لا تعد القارئ بصراع صاخب فقط، بل بنبرة وجدانية هادئة، ربما تنطوي على شجن، أو على بحث عن .خلاص داخلي.

ومن زاوية نقدية أوسع، يمكن القول إن الغلاف يشتغل على بلاغة التخفيف، لا ازدحام في العناصر، لا تعقيد تشكيلي، لا رموز كثيرة متراكمة. كل شيء موضوع في مساحة واسعة من البياض. وهذا الاقتصاد البصري يمنح العنوان مزيدًا من القوة؛ لأن الغلاف لا يشرح الرواية، بل يترك حولها هواءً كافيًا لكي تتنفس، وهي  سمة من سمات الأغلفة الناجحة: أن تعرف متى تصمت؟  وغلاف "جزيرة السلام" يعرف ذلك جيدًا، إنه لا يفرض معنى واحدًا، بل يفتح القارئ على مناخ: مناخ عزلة جميلة، أو جمال معزول، أو صفاء يحتاج إلى حماية.

أما اسم الكاتب عبد الرحمان بولنوار في الأعلى، فيأتي في موضع هادئ، من غير استعراض. وهذا مناسب لروح الغلاف كله. إذ يبدو أن المركز الحقيقي هنا ليس اسم الكاتب بقدر ما هو العنوان والصورة، أي الفكرة والحلم اللذان تعد بهما الرواية. كما أن تجنيس العمل أسفل الصورة بكلمة "رواية" يحسم من البداية أن هذا العالم ليس قصيدة بصرية فقط، بل سرد متوقع، عالم سيحاول أن يشرح كيف قامت هذه "الجزيرة" ولماذا سُمّيت سلامًا، وما الذي يهددها أو يحميها.

قراءة تأملية في الغلاف.

ولو أردنا أن نقرأ الغلاف قراءة تأويلية أعمق، لأمكن القول إن الجزيرة قد تكون استعارة عن الذات نفسها، فالإنسان كثيرًا ما يطمح إلى أن يبني داخل نفسه "جزيرة سلام"، مكانًا داخليًا ينجو به من صخب الخارج، ومن عنف العالم، ومن تشظي العلاقات.

فإذا كانت الرواية وفية لعتبتها، فإنها قد تكون رواية عن البحث عن السلام في عالم لا يمنحه بسهولة، أو عن ثمن العزلة حين تكون شرطًا للنجاة، أو عن التوتر بين صفاء الداخل واضطراب الخارج.

ومن هنا تنبع القيمة البلاغية الحقيقية للغلاف؛ إنه لا يكتفي بإغراء بصري، بل يبني استعارة كبرى. جزيرة صغيرة في ماء واسع، طيور بيضاء، أشجار صامتة، بياض غالب، عنوان يَعِد بالسلام لكنه يضعه داخل العزلة. كل هذا يجعلنا أمام عتبة غنية، لا لأنها تقول الكثير، بل لأنها تقول ما يكفي لكي تثير أسئلة كثيرة.

وفي المحصلة، يبدو غلاف «جزيرة السلام» غلافًا ناجحًا من جهة بنائه الرمزي والبلاغي؛ فهو يمنحنا عنوانًا مكثفًا يقوم على مفارقة جميلة بين المكان والقيمة، ويعضده بتشكيل بصري هادئ يزاوج بين العزلة والطمأنينة، وبين الثبات والتحليق، وبين الصفاء الظاهر والقلق المضمر. ولذلك فالرواية، من خلال غلافها وحده، تبدو وكأنها لا تقدم السلام باعتباره معطى جاهزًا، بل باعتباره حلمًا صعبًا، هشًّا، ومحاصرًا، لكنه مع ذلك يظل ممكنًا. وهذه، في تقديري، أجمل رسالة يمكن أن يحملها هذا الغلاف: أن السلام؛ موجود؟! نعم، لكنه ليس سهل المنال.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د