كفارة الثّوب الأحمر؛ رواية للكاتب الجزائري عبد الواحد هواري صادرة عن دار أدليس بلزمة، وقد تحصلت الرّواية على المرتبة الثّانية من جائزة النّبراس للرواية الوطنية.
يحيلنا العنوان إلى البحث عن المذنبة الّتي تريد التّكفير عن خطئها، كما تأخذنا سطحيتنا المجتمعية إلى البحث عن الثّوب الأحمر الّذي يرمز في عُرفنا إلى الإغراء.لكن بعد التّفحص الجيد لأحداث الرّواية نكتشف أنّ الذّنب الوحيد الّذي يتشاركه المجتمع هو حمل سوط الجلاد وإصدار الأحكام المسبقة والزّج بأغلب الضعفاء في سجون الرّذيلة، دون منحهم حقّ الدّفاع عن أنفسهم،ولا فهم ظروفهم العامة.
رواية تكشف مدى هشاشة الرّوابط البشرية، نتيجة الأمراض النّفسية المختفية تحت القوى الإنسانية المزعومة؛ فكل شخصيات العمل لديها حالة نفسية معقدة كان المتسبب فيها حادث قديم طواه التّاريخ، لكنّ الذّاكرة احتفظت به وأظهرته في مواقف مستقبلية عديدة، يفترض صاحبها أنّ ما يفعله في حينها هو نتيجة تفكيره الواعي، لكنّ الحقيقة أنّه يتصرف وفق لِلاوعيه الٌذي يحمل الأذى والخضوع والسّادية والاكتئاب الحاد.
يحيى هو الشّخصية الرّئيسية الّذي تدور حوله كل أحداث العمل، خريج جامعي منطوٍ لم يجد في مجتمعه المنغلق ما يُطور من شخصيته ويفهم إجاباته_ الّتي عادةً ما تكون مُركبة ومرّكزة_ فقرر أن يعيش بعيدا عنهم، لكنه يلتقي برهف شخصية مركبة تحزن بتطرف وتفرح بتطرف وتحب أيضا بتطرف، لديها قانون في كتاب العشق لا يسمح لأحد تجازوه ومن أخطأ معها فالغفران في قانون العشاق ممنوع برأيها. تتطور أحداث العمل وفق التّقلبات النّفسية لشخصياتها الرّئيسية وحتّى الثّانوية منها حتّى نصل للنهاية الّتي نكتشف فيها أنّه لا يحق لأي أحد أن يُنّصب نفسه قاضيا ويحكم على الخلق، فلا أحد معفي من الخطأ؛ فمن رأى النّقيصة في غيره فليحترم إنسانيته المعجونة أصلا بالنقص، وليحاول على الأقل فهم الظروف الّتي دفعت غيره لارتكاب ذلك الذّنب.

بقراءتنا لأحداث العمل نجد أنّ الاضطرابات النّفسية لم توّزع عشوائيا على الشّخصيات، بل كانت هناك سلسلة من الأذى انتقل من شخصية إلى أخرى؛ فلطيفة والدة رهف الّتي تعرضت لاغتصاب أفقدها حياتها الزّوجية بعد ذلك،جعل منها امرأة مصابة بحالة عصبية، فُسرت في البداية على أنّها صرع، ليعجز الأطباء بعد تفاقم حالتها عن تحليل تصرفاتها الّتي تكون عليها فتطلب ممن يقابلها مثلا ( تمشيط شعرها أو جلدها) ؛أي أنّها تعيش صدمة جنسية جعلتها تحاول إعادة إحياء مشاعر الألم الّتي تغيرت عندها لمشاعر متعة، استغلها لؤي أبشع استغلال وما لؤي إلا انعكاس لصورة المجتمع المؤذي سواء عن وعي أو بدونه. ورهف الّتي شاركتها التّجربة وتشاركها الحياة فصدمة أذى أمها عندها تحوّل إلى هوس بيحيى وتنصيبه إلها يحق له فعل بها ما يشاء، هي سعيدة بحالة التّملك الّتي تعيشها وتفرض عليه أن تتملكه لدرجة تجعلها تفكر في إيذاء كل من تحاول التّقرب منه ثم إيذاء نفسها بعد ذلك؛ أي أنّ من تعرض للأذى ومن شاهده سيتشاركان نفس الأذى النّفسي وإن كان بدرجات متفاوتة،أما عن سفيان الّذي استغلته رهف لتحقيق غايتها والذي كان يعلم أنّه مجرد محطة عابرة في حياتها تسعى من خلاله للوصول إلى هدفها؛ فتقديم جسدها قربانا لا يعني أنّها تحبه ، ففي نظرها لا يدّنس الجسد مادامت الرّوح طاهرة، فهو يعيش حالة من التّعلق العاطفي يجعله قابلا للاستغلال أفقده حياته.
رواية تحمل معانٍ إنسانية كثيرة وتشرح وضعيات مجتمعات تقدّس ما تراه فقط، دون وعي ولا إدراك لما يخفيه الإنسان. بأسلوب بسيط وحوارات مباشرة تمكن الكاتب من شدّ انتباهي القرائي، واستفز مشاعري وجعلني جزءا من العمل، كوني جزائرية عاشت حالات مشابة لحالة يحيى ؛الّذي وقع في البئر وعجز الشّعب عن استخراجه. ففكرة البئر هي فكرة القيد المجتمعي الّذي يأسر كل مثقف؛ فيعيش مقيدا ويموت وقد دفن أسراره كلها معه.







التعليقات