انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

محمد حسين علي الصغير.. سيرة العلم

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

5 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
محمد حسين علي الصغير.. سيرة العلم
مشاركة:

محمد حسين علي الصغير (1940–2023) واحد من أبرز الوجوه العلمية والأدبية التي أنجبتها النجف في العصر الحديث، فقد جمع في شخصيته بين الدرس الحوزوي والبحث الأكاديمي، وبين علوم القرآن والبلاغة والنقد والشعر، حتى غدا اسمه مرتبطاً بجيل من العلماء الذين سعوا إلى مدّ الجسور بين التراث ومناهج البحث الحديثة. ولد في النجف سنة 1940 في أسرة عُرفت بالعلم، فنشأ في بيئة جعلت من المعرفة جزءاً أصيلاً من الحياة، ولم يكن غريباً أن يتجه منذ صباه إلى الدرس الديني والأدبي معاً.

بدأ دراسته الحوزوية في النجف مبكراً، فالتحق بالحوزة العلمية سنة 1952، وتلقى مقدمات العلوم العربية والدينية على عدد من العلماء، ومنهم الشيخ هادي القرشي، ثم واصل دراسته العليا وحضر أبحاث الخارج في الفقه والأصول عند المرجع السيد أبي القاسم الخوئي. وفي الوقت نفسه كان يفتح لنفسه طريقاً آخر في التعليم الأكاديمي، فدرس في كلية الآداب بجامعة بغداد، ثم واصل دراساته العليا في جامعة القاهرة وجامعة درم البريطانية، وحصل على الدكتوراه في الآداب من جامعة بغداد سنة 1979 بامتياز ودرجة الشرف الأولى، بعد أن كان قد نال جائزة الرئيس جمال عبد الناصر للدراسات العليا في جامعة القاهرة سنة 1969.

ولم يكن هذا التعدد في مصادر التكوين العلمي مجرد تنقل بين مؤسسات تعليمية، بل كان عاملاً أساسياً في بناء شخصيته الفكرية؛ فقد ظل الصغير وفياً للدرس الحوزوي من جهة، ومواكباً لمناهج البحث الأكاديمي الحديثة من جهة أخرى. ومن هنا جاء اهتمامه بالدراسات القرآنية والبلاغية والنقدية، إذ حاول أن يقرأ النص القرآني واللغة العربية في ضوء التراث الإسلامي، وفي الوقت نفسه يستفيد من المناهج التي تطورت في مدارس النقد والدرس اللغوي الحديثة.

بدأ تجربته الشعرية في منتصف الخمسينيات، في مرحلة كانت تشهد تصاعداً في الوعي القومي والتحولات السياسية والفكرية في الوطن العربي، ثم اتجه إلى التأليف والبحث منذ أواخر الخمسينيات، لتتسع تجربته شيئاً فشيئاً وتنتقل من النشاط الثقافي والأدبي في النجف إلى مشروع علمي أكثر نضجاً خلال سنوات دراساته العليا، ولا سيما بين عامي 1972 و1975. وكان الشعر بالنسبة إليه أحد وجوه التعبير، لكنه لم يطغَ على الباحث والعالم الذي وجد في القرآن واللغة والبلاغة مجالاً رحباً لإنتاجه العلمي.

عمل أستاذاً للدراسات القرآنية والبلاغية والنقدية في كلية الفقه، ثم أسهم في تأسيس الدراسات العليا في جامعة الكوفة سنة 1988، وحصل فيها على مرتبة الأستاذ الأول سنة 1993، ثم مرتبة الأستاذ الأول المتمرس سنة 2001. وقد امتدت تجربته التدريسية والإشرافية إلى عدد كبير من الباحثين، إذ أشرف وناقش أكثر من 257 رسالة ماجستير ودكتوراه في مجالات الدراسات القرآنية والأصولية والحديثية والبلاغية والنقدية. وهذه الأرقام لا تعكس كثرة العمل الأكاديمي فحسب، وإنما تكشف أيضاً عن أثره في تكوين أجيال من الباحثين الذين واصلوا مسيرة الدرس العلمي بعده.

وكان القرآن الكريم محوراً واسعاً من مشروعه الفكري، فكتب في تفسيره وبلاغته ودلالاته وتاريخ دراسته، ومن مؤلفاته «المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم»، و«أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم»، و«تطور البحث الدلالي: دراسة تطبيقية في القرآن الكريم»، و«المستشرقون والدراسات القرآنية»، و«نظرات معاصرة في القرآن الكريم»، و«مجاز القرآن»، و«موسوعة الدراسات القرآنية»، فضلاً عن كتابه «تاريخ القرآن» الذي صدر في بيروت عن دار المؤرخ العربي. ويكشف هذا التنوع عن مشروع لم يكن ينظر إلى الدراسات القرآنية باعتبارها علماً منفصلاً عن اللغة والبلاغة والتاريخ، بل باعتبارها حقلاً تتداخل فيه هذه المعارف وتتساند.

وفي علوم العربية عالج قضايا البيان والمعاني والتجديد في الدرس اللغوي، فكتب «أصول البيان العربي: رؤية بلاغية معاصرة» و«علم المعاني بين الأصل اللغوي والموروث البلاغي» و«نحو التجديد في دراسات الدكتور الجوارى» و«الصوت اللغوي في القرآن الكريم». أما في المجال الديني والفكري فله كتب تناولت قضايا مثل «فقه الحضارة» و«الفكر الإمامي من النص حتى المرجعية» و«رحلة الإنسان من عالم الذر حتى حياة البرزخ»، إلى جانب مؤلفات في السير والتراجم، منها «موسوعة أهل البيت الحضارية» التي جاءت في اثني عشر مجلداً، و«أساطين المرجعية العليا في النجف» و«قادة الفكر الديني والسياسي في النجف».

ولم يبتعد المؤرخ والباحث في شخصيته عن الشاعر؛ فقد صدر له «ديوان شعر محمد حسين الصغير»، كما كتب «ديوان أهل البيت» و«فلسطين في الشعر النجفي» و«تمهيد في الشعر الجاهلي وصدر الإسلام». ويبدو أن الشعر عنده كان امتداداً طبيعياً لعلاقته باللغة والتراث، لا نشاطاً منفصلاً عن مشروعه العلمي. ولذلك نجد في مؤلفاته تداخلاً واضحاً بين الحس الأدبي والتحليل العلمي، وبين العناية بجمال العبارة والانشغال بأسئلة الفكر والدين والتاريخ.

شارك الصغير في عدد من المؤتمرات العلمية، ومنها المؤتمر العلمي الأول لكلية الفقه الذي تناول موقف المستشرقين من التراث العربي والإسلامي، والمؤتمر الذي أقيم بمناسبة الألفية للشريف الرضي سنة 1986، وقدم في مثل هذه المناسبات بحوثاً تعكس اهتمامه بالقرآن والبلاغة والتراث العربي. كما نشر دراساته ومقالاته في عدد من الدوريات، ومنها مجلة كلية الفقه العلمية ومجلة الغري وغيرها، فكان حاضراً في المشهد الثقافي لا بوصفه أستاذاً جامعياً فحسب، بل باعتباره كاتباً وباحثاً يشارك في القضايا الفكرية والأدبية العامة.

وكان له كذلك حضور في الشأن الوطني والسياسي، واتخذ مواقف مرتبطة برؤيته للإسلام وحقوق الشعب، وتعرض للسجن في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة. وهذا الجانب من سيرته يضيف إلى شخصيته بعداً آخر؛ فالعالم عنده لم يكن منعزلاً عن مجتمعه، وإنما كان معنياً بما يعتمل فيه من صراعات وأسئلة وتحولات. وقد امتدت كتاباته إلى قضايا الفكر والمجتمع والتاريخ، فلم يحصر اهتمامه في تخصص واحد، وإنما ظل صاحب مشروع ثقافي واسع.

وقد حظي باهتمام عدد من الباحثين والنقاد والمترجمين، فكتب عنه القاص جعفر الخليلي، كما تناولت سيرته وأعماله مصادر ومؤسسات مختلفة، منها معجم البابطين، وما نشرته العتبة الحسينية المقدسة، فضلاً عن المواد التي تناولت مؤلفاته في شبكة الفكر للكتب الإلكترونية، والتقارير الصحفية التي رافقت رحيله، ومنها ما نشرته الوكالة الوطنية العراقية للأنباء في التاسع من يناير 2023. وتضاف إلى ذلك المصادر التي وثقت آثاره ومؤلفاته، وهي جميعاً تؤكد اتساع تجربته وتعدد مجالات اشتغاله.

رحل محمد حسين علي الصغير في التاسع من يناير 2023، بعد معاناة طويلة مع المرض ودخوله في غيبوبة استمرت ثلاثة أيام، لتنتهي بذلك حياة امتدت أكثر من ثمانية عقود، كان خلالها حاضراً في الحوزة والجامعة والكتاب والمنبر الثقافي. وإذا كان من الصعب اختزال هذه الشخصية في صفة واحدة، فلعل أقرب وصف لها أنها كانت نموذجاً للعالم الذي حاول أن يجعل من التراث مادة للحوار مع العصر، ومن اللغة طريقاً إلى فهم النص، ومن الأدب فضاءً آخر للتعبير عن الإنسان والهوية. ولهذا بقي أثره موزعاً بين الكتب التي ألفها، والباحثين الذين أشرف عليهم، والتلامذة الذين أخذوا عنه، وبين صورة النجف العلمية التي ظل أحد أبنائها البارزين حتى آخر أيامه.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د