انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رؤى فنية في المجموعة القصصية «معرض استعادي»

قراءة في المجموعة القصصية للقاص ثائر إبراهيم

قصي المحمود
قصي المحمود
·5 دقائق للقراءة
1 مشاهدة
رؤى فنية في المجموعة القصصية «معرض استعادي»
غلاف المجموعة القصصية «معرض استعادي»
مشاركة:

تعد (معرض إستعادي) هي المجموعة القصصية الثالثة للقاص الأستاذ ثائر ابراهيم والصادرة عن دار السرد 2026، بعد ان كانت المجموعة الأولى قد صدرت سنة 2022 وبعنوان( ولادتان)، في تسعة عشر قصة، وهي من القصص التي ترصد الواقع بتلقائية وعفوية وبساطة في الطرح تعطيك فخامة في محتواها، فحالما تبدأ بقراءة المجموعة ينتابك شعورا بواقعيتها وقربها من ذاتك وبلغة سردية ممتعة تمنح النص القصصي مذاقا مختلفا، فهي واضحة المعالم والشخوص دون غموض وتعقيد في الحبكة والثانية لسنة 2025 وبعنوان (الرصيف) وكانت لنا وقفة مع هاتين المجموعتين، ولابد أن أن نذكر أن للأديب محاولات ادبية كان قد نشرها في صحف ما قبل عام 2003 وكانت تبشر بولادة قاص متمكن لكن مشاغل الحياة والظروف العامة حالت دون استمراره،لكنه عاد وبقوة ومن خلال هذه المجاميع التي وجدنا فيه بصمة خاصة به، فكل قصصه القصيرة تمتلك الحبكة والاستهلال الجاذب والخاتمة الدهشة! فهناك في كل قصة شفرة يصعب تفكيكها تسير مع قراءة القاريء للنصوص وتفكك في نهايات القصص، يمتلك القاص ثائر خيال أدبي مرن وواقعي مكنه من التقاط المكان والزمان ليمزجه بخياله المتجدد، قد لا تختلف هذه المجموعة القصصية الأخيرة ( معرض استعادي) وهي فيها من الثراء الخيالي ما يجعل تفرقتها عن الواقع المستمدة منه صعب التفريق...لنذهب إلى قصص المجموعة ونتمتع بما فيها من متعة سردية.

المتن

النص الأدبي لا يولد من فراغ، فالكاتب يستخدم التقاطاته اليومية وخياله الواسع ومشاهداته وذاكرته و يستدعي أحداث قصصه وفضاءها المكاني والزماني والاجتماعي من ذاكرته المتقدة ثم يعيد تركيبها وصياغتها بلغة سردية أدبية ممتعة واضعًا نصب عينيه مقومات الجنس السردي الذي يكتب فيه إذا كانت قصص قصيرة أو قصيرة جد أوا رواية، وعنوان هذه المجموعة القصصية الجنسي هي قصص قصيرة، وتكمن صعوبة كتابة القصة القصيرة في الحاجة الى التكثيف الشديد لكونها تتطلب إيصال فكرة عميقة وصراع متكامل في مساحة محدودة وفضاء محدود وشخوص محدودة بدون ترهل وحشو، ووفق هذه المعطيات الأدبية وقواعدها كتبت هذه المجموعة ضمن مسار فضائين الأول فضاء خيالي والثاني فضاء واقعي رحب المساحة مع خيط رفيع يربط الفضائين وقد استخدمهما الكاتب بحرفية وذكاء واعطانا مساحة كبيرة للدهشة الخاتمة، في هذه المجموعة تتضح بصمة القاص بصورة جلية، فهو يتمتع بذهنٍ وخيالٍ متقد يخيط الحبكة بخيال ممتع يجنح احيانًا للامعقول وفجأة وفي انعاطفة حادة يعود بنا للواقعية، وخير مثال قصة " النبوءة" وهي أولى قصص المجموعة ( في اليوم العاشر ستلتقيان وستعرفان لجظتها إنكما لن تفترقا أبدا، في اليوم العاشر وعلى ذات المقعد ، فتاة بهية تضرة ما أن التقت نظرات عيوننا شعر كلانا ببهجة ورضا فشاركتها المقعد) ص6، دهشتنا في الخاتمة ( وما زلت والأحفاد يمرحون حولنا، أعيد عليها بأن المرأة أختفت في اليوم السابع، وأسألها: بالله عليك من تكون وأين أختفت؟ .....تقسم أنها لا تعرف عمن من أتكلم)ص6، وفي القصة الثانية " ساعة" يتجدد ذات السرد في خياله ودهشته لكنه يختلف في الحبكة والمكان والشخوص ولغته النثرية الواضحة( كلما استعدت تلك الساعة، تملأ قلبي وروحي البهجة فأضحك، هي تعرف ما يجول بخاطري فتضحك، فتعم البهجة قلوب أولادنا وأرجاء البيت) ص9، في قصص (ظهيرة، تصفير، الهدية،تنفيس، المعايدة حبة الأرمين، حازم فريد، العصافير) وهذه نماذج لما بعدها من قصص أجاد القاص في مسك القاريء دون أن يفلت منه، ففي عناوين القصص هناك تسارع واختزال و(أكشن) وتجده هنا وفي باقي القصص هو يتناول الفكرة بسرعة المخرج المحترف والسيناريست الحاذق والمؤلف المتمكن ويقترب جدًا من " القصة القصيرة جدًا) دون أن يقع فيها، فهو ينسل منها بهدوء لكنها يستعير مقوماتها من اختزال ودهشة ومفارقة ولنا مثال لا الحصر ففي قصة " تصفير" وفي اختزال مدهش ورمزية عالية الجودة ( من معلم مبجل إلى مختل منبوذ، أبيت في البيت المهجور الآيل للسقوط،أكل ما يتصدقون به، حتى مكتبتي الصغيرة وسط الزقاق التي يتقاطر عليها الصغار لشراء الأقلام ...أحالوها إلى دكان لبيع الأدوات والمعدات المستعملة) ص 15 وفي خاتمة القصة يصدمنا القاص بمسار غير المسار الذي أخفاه عنا ( من جديد هناك على الضفة الأخرى من العالم ، لم أكن أنا من وصل، صفرت ذاكرتي وبرمجت مشاعري، تركت عمري على الحدود، أنا الآن طفل يحبو في الستين...!!! ) ص 17قصة رائعة ومن وجهة نظري نموذج للقصة القصيرة جدًا وبخيطها الرفيع تحسب "أقصوصة وقصة قصيرة"سقت هذه القصة كمثال لباقي القصص في المجموعة التي تتناول الأفكار بذات الأسلوب المشوق نتركها للقاريء ليتمتع بها، أما قصة " معرض استعادي" وهي التي اختارها القاص لتكون عنوان لمجموعته، فهي ثرية الخيال غزيرة الرمزية فقد اختزل القاص التاريخ والزمن وهو يتجول في معرض للوحات الفنية، ليعود بنا إلى بدايات ولعه في فن الرسم ومدرس الرسم، وبلغة سلسة وبجمالية رائعة يأخذنا إلى فلسفة شاكر آل سعيد واستخدامه للحرف العربي بجماليات التراث الإسلامي، وها هو بسرد ممتع يقف عند لوحات نوري الراوي، ويعود بنا القاص ثائر إلى لعبته التي يجيدها في القص( لابد من المغادرة، دنوت من الحسناءالتي لم أعرف أسمها رغم أن وجهها وصوتها ولمستها ظلت متوهجات في ذاكرتي، تغزلت بحسنها، شكرت لكفها ورقتها، على مبعدة خطوات أو خمس، ألتفت الواجهة معتمة والسكون يمتد على الرصيف، بدا المكان مهجورا منذ زمن...!!)ص67

الخلاصة: هذه المجموعة تطور لافت للقاص المبدع الأستاذ ثائر إبراهيم، فهو استطاع بحنكة المحترف وفطنة الأديب الثري بالخيال والمقدرة أن يمزج بين جنسين من السرد ( القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا) ببراعة وباسلوب متمكن من أدواته،فهو يقترب من "القصة القصيرة جدا" دون أن يقع في محاذيرها، لكنه ينسل منها بهدوء ليعود بنا إلى بيته الذي أنطلق منه " القصة القصيرة" لكنه بذكاء يستعير منها مقوماتها من تكثيف شديد ودهشة ومفارقة، إنها مجموهة ظريفة الفكرة ممتعة السرد، ووجهة نظري هذه المجموعات القصصية اللافتة للنظر هي اضافة مهمة للسرد العربي والعراقي....

القاص ثائر إبراهيم
القاص ثائر إبراهيم
مشاركة:
قصي المحمود
قصي المحمود

أديب وناقد عراقي.

آخر تحديث: ٢٥ تموز ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٧ م

مقالات ذات صلة

الولد الذي أضاء المدينة
سرد

الولد الذي أضاء المدينة

قصة قصيرة. صباح بحلو حضوره وفتنته الرائعة، يهبط على مدينة الينابيع في ثوبٍ من نورٍ رقيق، بهدوء رائق تغتسل الأشجار بندى الفجر، وتفتح الأزهار أعينها نحو الشمس، وتغرد العصافير فوق السطوح كأنها تعزف لحنًا لا يسمعه إلا من بقي قلبه طفلًا. المدينة جميلة…جميلة إلى…

· 4 د
على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ
قراءات

على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق…

· 6 د
القصّ وسلطة الفهم
قراءات

القصّ وسلطة الفهم

"بالنسبة للنص الادبي فاللغة مستهدفة مباشرة، ويتجلى ذلك في المعاناة والاشتغال على نظم عناصرها وايجاد علائق جديدة بينها، أو اختراق لقوانينها النحوية والدلالية أو لبلاغتها وقوانين الصنعة المتصلة بها الضرورات والجوازات"1.. هذا التأكيد على اللغة يضع النص في حالة…

· 9 د