انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الولادة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
·4 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
الولادة
مشاركة:

حين تضيق الأرض بما عليها، وتبدو السماء وكأنها أغلقت أبوابها بالغيوم والدخان، تظل الحياة تحتفظ بسرّها القديم؛ فهي تعرف كيف تشق طريقها من بين الركام، وكيف تنبت زهرة صغيرة في شقّ صخرة عتيقة. ولعل أكثر ما يربك الموت، أن الحياة لا تكف عن إعلان حضورها، حتى في أكثر اللحظات ظلمة.

خبا الضوء بعدما توارى قرص الشمس خلف التلال المتناثرة، فتمددت الظلال فوق البيوت كعباءة ثقيلة نسجتها الحرب بخيوط القلق. وفي ذلك المساء البارد، ارتجفت الأجساد على وقع أنين امرأة شابة تخوض أولى تجاربها مع الولادة. كان الألم يتصاعد من صدرها كنداء غامض يبحث عن منفذ إلى السماء، فيما التفّت حولها العجائز بوجوه حفرتها السنون، وأخذن يرددن كلمات التشجيع كأنهن ينفخن الروح في جمرة أوشكت أن تنطفئ.

كانت إحداهن تقول إن الشجاعة إذا استيقظت في القلب ارتفعت كهامات النخيل الباسقات، وأخرى تمسح العرق عن جبينها وتهمس بأن الأطفال لا يأتون إلى الدنيا إلا وهم يحملون معهم قبساً من نور الله. وبين الدعوات والدموع، كان الجميع ينتظر لحظة انبثاق ذلك الضوء الصغير من صخرة اللوعة، أو من هشيم التراب المبلل بدموع الانتظار.

ثم اجتاح الصمت المكان فجأة، صمت ثقيل كأنه يزن الأعمار كلها. وصلت سيارة الإسعاف أخيراً، لتبدأ رحلة أخرى بين مشفى القضاء ومشفى المدينة في تكريت. كانت الآمال معلقة على تلك المركبة البيضاء التي تشق العتمة بصعوبة، علّ الطفل يرى النور في مكان أكثر أمناً، لكن الطريق كان يمر من قلب الحرب، والحرب لا تعترف ببراءة القادمين الجدد.

انطلقت السيارة، وأزيز الرصاص يتردد من بعيد كأن الليل يطحن أسنانه. لم يكن للخوف شكل محدد، لكنه كان يجلس إلى جانب الجميع. السائق يرفع صوت آيات الذكر الحكيم، كمن يمد جسراً خفياً بين الأرض والسماء، والوجوه الشاحبة تحدق في الظلام الممتد على جانبي الطريق، فلا ترى سوى الفراغ والاحتمالات المقلقة.

كان ضوء سيارة الإسعاف الخافت يتقدم بخجل، كشمعة تحاول أن تقاوم ريحاً لا تهدأ. أما الوقت، فقد بدا متجمداً داخل ساعة معلقة لا تريد أن تتحرك. اقترب منتصف الليل، والمرأة الشابة تئن بين حين وآخر، ثم ترفع رأسها بصعوبة، كأنها تريد أن تسأل الطريق:

- كم بقي من المسافة بين الألم والفرح؟

وفي أحشائها كان الطفل يقترب من عتبة العالم. ربما لم يكن يعلم شيئاً عن الحروب ولا عن صفارات الإنذار، ولا عن السيطرات التي كانت توقف السيارة بين الحين والآخر. كان يتهيأ فقط لمغادرة دفء الرحم، ذلك الوطن الصغير الذي لم يعرف فيه سوى الأمان، إلى عالم يضج بالأسئلة ولا يعرف إلى أين يمضي.

توقفت السيارة مرات عديدة.

- إلى أين تذهبون؟

وكان الجواب يتكرر بصوت متعب:

- حالة ولادة.

فتتنحى الحواجز جانباً، وتعود العجلات إلى دورانها فوق الإسفلت الذي حفظ خطى الجنود وصدى الهاربين ودموع الأمهات.

في تلك الليلة، بدا الزمن كتمثال زجاجي لا يتغير. حتى العصافير التي اعتادت استقبال الفجر، بدت وكأنها تؤجل غناءها. لا شيء يُسمع سوى هدير السيارة الخافت، وارتطام عجلاتها بالطريق، ووميض بعيد لا يُعرف إن كان ناراً أم نجمة تائهة تبحث عن مكانها في السماء.

ثم جاءت اللحظة الحاسمة قبل الوصول، في منتصف الطريق تماماً. تبادلت العجائز النظرات المرتبكة. لا معدات طبية، ولا ماء دافئ، ولا غرفة انتظار. كانت هناك سيارة إسعاف، وليل طويل، وامرأة تصارع ألمها، وحياة صغيرة تصر على المجيء.

استنفرت العجائز بكل ما تبقى في ذاكرتهم من خبرة. فالحياة، منذ فجر الخليقة، لا تنتظر الظروف المثالية كي تبدأ. إنها تولد حيث تشاء، وكيف تشاء، مثل نبع يفاجئ الصحراء، أو سنبلة تشق التراب القاسي دون استئذان.

وما هي إلا لحظات حتى دوّى صراخ المولود في فضاء السيارة الضيق، صرخة صغيرة، لكنها بدت أقوى من الرصاص، صرخة أعلنت انتصار الحياة على الخوف، والرجاء على اليأس، والبداية على كل النهايات المؤقتة.

نظر الجميع إلى الطفل الملفوف بقطعة قماش بسيطة، فرأوا في عينيه المغلقتين شيئاً يشبه الوعد. كان الليل ما يزال طويلاً، والحرب ما تزال هناك، والطريق لم ينتهِ بعد، لكن أحداً لم يعد ينظر إلى الظلام كما كان قبل دقائق.

وفي الخارج، كانت السماء تحتفظ بسوادها، غير أن نجمة وحيدة ظهرت بين الغيوم. لم ينتبه إليها أحد، إلا أنها بقيت معلقة فوق الطريق، كأنها تراقب ذلك القادم الجديد.

وحين تابعت سيارة الإسعاف سيرها، بدا المشهد كله أشبه بولادة أخرى؛ لم يكن الطفل وحده من خرج إلى العالم، بل خرج معه أمل صغير، أخذ مكانه بهدوء في قلب الليل، وأخذ الليل نفسه يتراجع خطوةً خطوة أمام أول خيط غير مرئي من الفجر.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٦ تموز ٢٠٢٦ في ٠٥:٣١ م

مقالات ذات صلة

أجيال
شعر

أجيال

جيل ما قبل نضوج شهوة الحروبِ، اِلتقطوا الأيديولوجية بملاعقَ ذهبيةٍ . تمرّدوا على مزاجِ المدن السّائلة، وداعبوا الرّبيع في غيرِ أوانه، لم تشغلهم مكابداتُ (الأخضر بن يوسف )* عن سلب( ثياب الإمبراطور )** فمن أين ينفذُ الضّوءُ و ( مملكتهم سوداء )***؟ هل القصائدُ…

· 2 د
الولد الذي أضاء المدينة
سرد

الولد الذي أضاء المدينة

قصة قصيرة. صباح بحلو حضوره وفتنته الرائعة، يهبط على مدينة الينابيع في ثوبٍ من نورٍ رقيق، بهدوء رائق تغتسل الأشجار بندى الفجر، وتفتح الأزهار أعينها نحو الشمس، وتغرد العصافير فوق السطوح كأنها تعزف لحنًا لا يسمعه إلا من بقي قلبه طفلًا. المدينة جميلة…جميلة إلى…

· 4 د
على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ
قراءات

على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق…

· 6 د