انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شعرية الخوف قراءة في شعر يوسف الصائغ للدكتور علي جعفر العلاق

التلغراف
التلغراف
4 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
شعرية الخوف قراءة في شعر يوسف الصائغ للدكتور علي جعفر العلاق
مشاركة:

طالب كريم

عن سلسلة " نقد " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار

صدر حديثاً للناقد الدكتور علي جعفر العلاق كتابه النقدي الجديد الموسوم " شعرية الخوف - قراءة في شعر يوسف الصائغ".

شعرية الخوف عند يوسف الصائغ، ليست عنواناً نقدياً عابراً، بل هو مفتاح يضعنا به الناقد الشاعر أمام التجربة الشعرية ليوسف الصائغ في كليتها. الصائغ الذي عرفه جيل الستينيات حالماً وغاضباً ومتمرداً، صاحب إعترافات مالك بين الريب وسيدة التفاحات الأربع وانتظري عند تخوم البحر، لم يكن يكتب قصيدته بدافع الطمأنينة، بل بدافع الخوف. خوف يبدأ من الذات ولا ينتهي عند الوطن. وهذا ما التقطه علي جعفر العلاق بذكاء الشاعر الذي عايش الصائغ عن قرب، وعرف تحولاته. يبدأ العلاق من الإنسان نفسه، من ذلك الساخر المتماسك الحزين الذي انحسر في الثمانينات عن صخبه القديم وشركاته العامة وثقته العمياء بالآتي، ليفسح المجال لحياة داخلية حريصة على العزلة، تكرس للصداقة وفاءً يشبه التقديس. ويروي العلاق كيف اتصل به الصائغ ذات ليلة في أواخر الثمانينات وصوته يثقل بالأسى حتى كأن أسلاك الهاتف تنوء تحت ركام من الحزن، ليخبره بموت شفيق الكمالي. من هذه اللحظة الإنسانية، من هذا الحزن المتراكم والفقد المتوالي للأصدقاء والأمكنة، تتولد شعرية الخوف. فالشاعر يخاف أن يبقى وحيداً بلا سند، في كتب. وينتقل العلاق من البورتريه الإنساني إلى التحول الأسلوبي ، حيث يرى الصائغ قد انتقل من التأجيج اللغوي العالي والإنشاد الثر إلى صدمة المفارقة وسيد القصيدة القصيرة، فالخوف لايحتمل الإطالة ولا البلاغة المفرطة، الخوف لحظة خاطفة، ولذلك صارت قصيدته جملة مبتورة وبياضاً واسعاً وصمتاً مقصوداً بين سطرين، هذه ليست تقنية شكلية، بل هي ضرورة وجودية، فالشاعر الذي كان يملأ المكان والزمان تمجيداً للحلم العام وتعويذاً لصمود الداخل، وهجد نفسه محتفياً بالخوف والمشاغبة والا أمن ، وخاصة في مجموعتيه سيدة التفاحات الأربع ومن قصائد الليل. ولكي يفسر هذا التحول، يقترح العلاق مستويين للقراءة، مستوى تحول الدلالة ومستوى تحول المكان. فعلى صعيد الدلالة، يرى أن قصيدة الصائغ منساقة وسرعان ماتنقلب على إنجازها ذاته، فهي لا تنقطع تماماً عما سبق ولا تستسلم لما تحقق، بل تظل متفرجة على مايخر فيها، تفسح المجال لتحولات ثالثة. وذلك لاتسلم قيادها لثابت واحد أو لنمط قولي مستقر، إن ثوابت الصائغ، إن وجدت، لا تتم إلا عبر تحولات ترابط بين فضاءات ثلاث هي الإنسان و الوطن والذات، وهذا الإنقلاب المستمر هو في جوهره خوف من أن يتحول الشكل إلى قيد، ومن أن يصبح الإنجاز مقبرة. أما على صعيد المكان، فالمكان عند الصائغ ليس جغرافيا ثابتة ولاخلفية محايدة، بل هو كتلة تتحول باستمرار أن هذا المكان يتبادل المرافق والمواقع وفق تناظر هندسي، المكان الآمن يتحول فجأة إلى فخ، والمرتفع يصبح منخفضاً، والداخل ينقلب خارجاً، وهذا هو خوف الإنسان العراقي الأزلي من أن يفقد أرضه تحت قدميه. ويصل العلاق إلى لب نظريته حين يحلل القصيدة الطويلة عند الصائغ. فهو يرى أن قصيدة اعترافات مالك بن الريب بواحد وسبعين دورة شعرية، ومعها قصائد مثل أنا لا أراع وانتظري عند تخوم البحر ومطر عادي جداً وقصيدة تسجيلية، وهذه القصائد لا تنتمي إلى مزاج عابر، بل هي تأسيس لملامح شاعر في تجربة الزمن، فحين يعترف أنه خائف ووحيد ومنكسر، فإنه يبلغ ذروة الصدق. ولذلك فإن الصورة الشعرية عند الصائغ، كما يقرؤها العلاق، لا تنبثق من حدث لفظي أو من حركة بلاغية محضة، الصائغ ليس معنياً بالتعبير في ذاته لأنه تقنية محضة، بل هو مفارقة صادمة وفضح قاس للعالم. وفي الفصل الذي يحمل عنوان وطن يليق بمواهب أبنائه ، يتحول النقد عند العلاق إلى شهادة أخلاقية، يقول من مبدع شاب استفاق وأضاء وتعثر على هذه الأرض الصلبة ثم انطفأ وحيداً في وطنه أو منفاه وكان يوسف الصائغ ذات يوم ضحية لهذا الصلب وهنا يتحول الوطن من فكرة عامة وغنائية حزينة إلى خيار وجودي وحيد. لم يعد الوطن شعاراً، بل صار هو القصيدة نفسها، الملجأ الأخير الذي يحمي الشاعر من التلاشي. ويختم العلاق كتابه بفصل من المختارات الشعرية، وهو ختم ذكي، فبعد أن أسس نظريته يترك النصوص تتكلم وحدها لتبرهن أن الخوف لم يكن طارئاً  في تجربة الصائغ، بل كان المحرك البنيوي لها من أولها إلى آخرها. أن أهمية كتاب شعرية الخوف أنه يعيد تعريف الخوف في الشعرية العراقية، فالخوف ليس نقيصة ولا لحظة عابرة، بل هو حالة معرفية وطريقة للرؤية  يوسف الصائغ خاف من الموت فكتب قصيدة تقاوم الموت، وخاف من الفقد فكتب قصيدة تخلد الفقد، وخاف على الوطن فجعل القصيدة وطناً بديلاً يليق بمواهب ابنائه، وبين الخوف والكتابة عنه، تولد قصيدة لا تموت لأنها قالت الحقيقة التي كنا نخاف أن نقولها. وهذا هو درس الوفاء النقدي الذي يقدمه علي جعفر العلاق، حين يثبت أن النقد الحقيقي هو شكل رفيع من أشكال المحبة.

يقع  الكتاب ب - 257 - صفحة من القطع المتوسط وتصميم الغلاف للفنانة  إبتسام السيد  . . .

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٣١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

العمارة والمعمار العراقي ..

في كتاب جديد للباحث : د . علي ثويني
إصدارات

العمارة والمعمار العراقي .. في كتاب جديد للباحث : د . علي ثويني

طالب كريم عن سلسلة " دراسات في العمارة " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً للباحث والكاتب الدكتور علي ثويني كتابه الجديد الموسوم "' العمارة والمعمار العراقي -- دراسة في العمارة "" والعمارة العراقية.. من جغرافيا المكان إلى ذاكرة المعمار. لو أردنا…

· 3 د
كل ما تركناه وراءنا... سقوط الأحلام في زمن الحرب
إصدارات

كل ما تركناه وراءنا... سقوط الأحلام في زمن الحرب

كل ما تركناه وراءنا... سقوط الأحلام في زمن الحرب تأسرني قصص الحروب. دائمًا ما أجد نفسي غارقًا بين صفحاتها، لا أعي العالم من حولي، ولا يشدني شيء سوى ما يجري بين السطور. أعيش بين شخصياتها وأحداثها ومآسيها، وأتنقل معها بين الخنادق والمدن المهدمة وذكريات الذين خرجوا من الحرب، من دون أن يخرجوا منها…

· 4 د
( الحلم المعلق) ..

مجموعة قصصية جديدة للكاتب والقاص كريم إينا
إصدارات

( الحلم المعلق) .. مجموعة قصصية جديدة للكاتب والقاص كريم إينا

صباح سليم علي صدرت حديثا" عن دار ماشكي للطباعة والنشر والتوزيع المجموعة القصصية الموسومة ( الحلم المعلق) للكاتب كريم إينا. وتضم خمسة عشر قصة قصيرة. صمم غلافها باسم أحمد. فيما تولى التنضيد علي عبد المنعم.. وتبدأ المجموعة بقصة ـ طنين ـ تليها قصة ـ صانعة الأفلام ـ ثم قصة, الحلم المعلق, التي حملت…

· 3 د