انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فن الكاريكاتير: حين تخاف السلطة من رسمة على الورق

عبد المجيد عبوبي
عبد المجيد عبوبي

شاعر وأديب مغربي

5 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
فن الكاريكاتير: حين تخاف السلطة من رسمة على الورق
للفنان محمود البوليس
مشاركة:

هناك أشياء كثيرة تستطيع السلطة أن تمنعها: مقالًا، أو كتابًا، أو خطابًا. لكن الصورة الساخرة قد تجد طريقها إلى الناس حتى بعد المنع.

الكاريكاتير ليس مجرد فن يضحكنا. إنه فن يضع المجتمع أمام مرآته، ويجعل السياسي يرى نفسه بعيدًا عن لغة الخطب والمجاملات. ولهذا كان الكاريكاتير، منذ ظهوره في الصحافة الحديثة، جزءًا من الصراع حول الحرية والسلطة.

من أين جاءت سلطة الكاريكاتير؟

تعود جذور الرسم الساخر إلى عصور قديمة، لكن الكاريكاتير بمعناه الفني الحديث تطور في أوروبا خلال عصر النهضة. وارتبطت بداياته بأسماء مثل ليوناردو دا فينشي، الذي اهتم برسم الوجوه ذات الملامح غير المألوفة.

ثم تحول الرسم الساخر إلى أداة صحفية، خصوصًا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما أصبح الرسامون ينتقدون الحكام والطبقات الاجتماعية والسياسات العامة.

ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الصورة مجرد زينة للصحيفة، بل أصبحت رأيًا سياسيًا قائمًا بذاته.

الكاريكاتير أقصر من المقال وأشد تأثيرًا

قد يحتاج الصحفي إلى صفحات لكي يشرح تناقضًا سياسيًا، بينما يستطيع رسام أن يختصره في صورة واحدة.

رجل يحمل وعودًا انتخابية ضخمة، ومواطن يبحث عن لقمة العيش. مسؤول يرفع شعار الشفافية، بينما يختبئ خلف جدار من الملفات. هذه ليست مجرد نكتة، بل قراءة للواقع.

الكاريكاتير ينجح عندما يجعل القارئ يضحك ثم يتساءل: لماذا نعيش هذه المفارقة؟

ولهذا يمكن أن تكون السخرية أكثر إزعاجًا من الغضب، لأنها تحرم السلطة من صورتها المثالية.

آراء المفكرين: هل السخرية شكل من أشكال الحرية؟

لم يكن التفكير في السخرية بعيدًا عن الفلسفة. فقد رأى الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتابه «الضحك» أن الضحك يرتبط بكشف الجمود في السلوك الإنساني. وعندما يتحول المسؤول إلى آلة تكرر الشعارات نفسها، يمكن للفن الساخر أن يكشف هذا الجمود.

أما ،ميخائيل باختين ،فقد اهتم بفكرة الكرنفال، حيث تنقلب مؤقتًا علاقة السلطة بالمحكومين، ويصبح الضحك وسيلة لتخفيف هيمنة الخطاب الرسمي وإظهار ما يخفيه.

ومن زاوية سياسية، يمكن استحضار ، جون ستيوارت ميل ، الذي دافع عن أهمية حرية التعبير في مواجهة السلطة في كتابه الشهير "عن الحرية" الصادر عام 1859. فالنقد السياسي لا يكتمل إذا لم يكن قادرًا على مساءلة الأقوياء.

هذه الأفكار لا تجعل كل رسم ساخر جيدًا أو عادلًا، لكنها تؤكد أن السخرية ليست نقيض التفكير، بل قد تكون إحدى أدواته.

ناجي العلي: حين أصبح الرسم مقاومة

إذا كان الكاريكاتير السياسي قد عرف أسماء كثيرة، فإن ناجي العلي يحتل مكانة خاصة في الذاكرة العربية.

وُلد في فلسطين نحو عام 1938، وعاش تجربة اللجوء بعد نكبة 1948. بدأ نشر رسوماته في الصحافة العربية، ثم أصبح واحدًا من أبرز رسامي الكاريكاتير الفلسطينيين. وتشير المصادر إلى أنه أنجز أكثر من أربعين ألف رسم خلال مسيرته.

لم يكن يرسم الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل انتقد أيضًا الأنظمة العربية، والفساد، والتنازلات السياسية، وكل ما رأى فيه إضرارًا بالإنسان الفلسطيني والعربي. وكان من أبرز ما ميّز تجربته أنه لم يجعل الكاريكاتير تابعًا لحزب أو سلطة.

فن الكاريكاتير: 

حين تخاف السلطة من رسمة على الورق

حنظلة: الطفل الذي رفض أن يكبر

ابتكر ناجي العلي شخصية حنظلة سنة 1969. طفل فلسطيني حافي القدمين، يدير ظهره إلى المشاهد، ويعقد يديه خلف ظهره.

لم يكن حنظلة شخصية كرتونية عابرة. لقد أصبح رمزًا للطفل الفلسطيني اللاجئ، وللشاهد الذي يرى المأساة ولا يملك إلا أن يرفض. وتشير الدراسات إلى أن الشخصية ظهرت بصورتها المعروفة منذ 1973، وأصبحت من أشهر رموز القضية الفلسطينية.

كان حنظلة طفلًا، لكنه لم يكن بريئًا من السياسة. كان يرى الاحتلال، ويرى الفقر، ويرى خيبات القيادات. ومن خلاله، منح ناجي العلي الفلسطيني العادي مكانًا في قلب المشهد السياسي.

لماذا أصبح ناجي العلي خطرًا؟

لأن رسوماته لم تكن موجهة ضد خصم واحد. لقد كان ينتقد الاحتلال، لكنه كان ينتقد أيضًا القيادات والأنظمة العربية التي اعتبرها مسؤولة عن استمرار معاناة الناس.

هذه الاستقلالية جعلته قريبًا من المواطن العادي، لكنها جعلته أيضًا في مواجهة قوى سياسية متعددة. وفي 22 يوليوز 1987، أُصيب بالرصاص في لندن، وتوفي بعد ذلك بأسابيع. وظلت ملابسات اغتياله موضوعًا للبحث والنقاش.

إن مأساة ناجي العلي لا تكمن فقط في اغتيال فنان، بل في السؤال الذي تركه خلفه: لماذا يمكن أن تصبح رسمة سببًا في إسكات صاحبها؟

الكاريكاتير في المجتمعات العربية

في بعض البيئات العربية، يُنظر إلى الكاريكاتير باعتباره إهانة أو مساسًا بالكرامة، خصوصًا عندما يتناول شخصيات دينية أو اجتماعية. وقد يُرفض الرسم بسبب المبالغة في ملامح الإنسان، باعتبارها تشويهًا لخلق الله.

لكن من الضروري التمييز بين السخرية التي تستهدف الإنسان لإذلاله، والفن الذي ينتقد فكرة أو سلوكًا أو قرارًا سياسيًا.

ليس كل رسم ساخر إهانة، كما أن حرية التعبير لا تعني إلغاء المسؤولية الأخلاقية. فالكاريكاتير الذي يفضح الفساد ليس مثل الرسم الذي يحرض على الكراهية أو يهين فئة بسبب أصلها أو دينها.

المجتمع الواعي لا يخاف من النقد، لكنه يطالب الفنان بالمسؤولية، ويطالب السلطة بعدم تحويل الحساسية إلى وسيلة لإسكات الصحافة.

الكاريكاتير ودوره الاجتماعي

الكاريكاتير الاجتماعي يفتح ملف الحياة اليومية: البطالة، الفقر، غلاء المعيشة، التعليم، الصحة، البيروقراطية، والتفاوت بين الناس.

وقد تكون صورة واحدة أكثر قدرة على نقل معاناة المواطن من تقرير طويل. فالرسم لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يجعلها مرئية أمام الجميع.

إنه يعلّم المجتمع أن يضحك من أخطائه، وأن يرى ما اعتاد عليه حتى أصبح يظنه طبيعيًا.

الكاريكاتير وسلطته

سلطة الكاريكاتير ليست سلطة منصب أو مال. إنها سلطة الرمز.

قد يرسم الفنان بابًا ضخمًا يحمل اسم العدالة، بينما يقف المواطن خارجه عاجزًا عن الدخول. وقد يرسم مسؤولًا يضع يده على فمه، بينما يتحدث باسمه عشرات المتحدثين.

هذه الصور لا تغير الواقع وحدها، لكنها تغير طريقة النظر إليه. وهذا هو مصدر قوتها.

الكاريكاتير لا يسقط حكومة، لكنه قد يسقط قناعًا. ولا يحرر وطنًا بمفرده، لكنه قد يوقظ سؤالًا في عقل مواطن.

هل نحن أمام فن أم أمام سلطة مضادة؟

ربما يكون الكاريكاتير واحدًا من أشكال السلطة المضادة، لأنه يمنح الفنان قدرة على مساءلة من يملكون القرار.

لكن هذه السلطة تحتاج إلى ضمير. فالسخرية التي تنحاز إلى الحقيقة أقوى من السخرية التي تبحث عن الشهرة، والفنان الذي يرفض أن يكون بوقًا لأي جهة يملك فرصة أكبر لأن يصبح صوتًا للناس.

لقد ترك ناجي العلي مثالًا واضحًا على أن الكاريكاتير يمكن أن يتحول من رسم إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى موقف، ومن موقف إلى رمز لا يموت بسهولة.

فحين يضحك الناس من صورة ساخرة، قد يكونون قد بدأوا في التفكير. وحين تخاف السلطة من تلك الصورة، فربما لأنها أدركت أن الخطوط القليلة تستطيع أحيانًا أن تقول ما تعجز عنه الخطب الطويلة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها
فنون

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها

بقلم/ - كاتب ومؤرخ مصري بعد صدور كتابي عن بليغ حمدي في صيف 2018 هممت بتكرار التجربة مع كروان الشرق فايزة أحمد فذهبت إلى رفيق دربها الموسيقار الكبير محمد سلطان في دوحته الأثيرة التي يقطن فيها منذ أن جاء إلى القاهرة من الإسكندرية في مطلع الستينات، وظل يسكن فيها حتى رحيله في نوفمبر 2022، ورحب الرجل…

· 12 د
صراع العزلة والنور في لوحة الفنان سيباستيان  خليل
فنون

صراع العزلة والنور في لوحة الفنان سيباستيان  خليل

لوحة الفنان السوري سيباستيان خليل أورفة لي، التي اخترناها من بين أعماله العديدة، يشدني إليها ما تركته من مشاعر الغموض والوحدة والتحدي التي أسبغها بحروفها اللونية والتكوينية؛ سفينة تائهة في ليل داكن تحت هلال ناري توحي برحلة طويلة ومجهولة، أو صراع صامت بين العزلة وقوة الطبيعة. فقد تكون هذه الرحلة…

· 2 د
رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: 
مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي
فنون

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي كنت اشاهد فيديو عن رقصة جماعية تؤديها فرقة زرانيق بيت الفقيه في تهامة اليمن والتي ربطتني بها علاقة جيدة قبل سفري إلى فرنسا. تسمى الرقصة «الحقفة»، وهي واحدة من رقصات تهامية كثيرة تقوم على التماسك بين أجساد الراقصين…

· 6 د