انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

8 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
مشاركة:

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم تكن أغرب ما فيه؛ الأغرب أن الماء كان على بعد خطوات، وأنه كان يعرف مكانه، ويراه، ويستطيع أن يمد يده إليه، ومع ذلك ظل حلقه يابسًا كطريق صحراوي نسيه المطر. في السرير كان الوالي يغط في نومه بعد ليلة أكل فيها وشرب وطرب حتى تعب الطرب منه، بينما وقف مشحوت إلى جواره يردد بصوت يكاد لا يسمعه سوى عطشه: يا ليت سيدي يطلب الماء... يا ليت سيدي يطلب الماء. هنا بالضبط تبدأ حكاية مديح الصادق، لا من تاريخ ميلاده، ولا من مدينة نشأته، ولا من قائمة أعماله، بل من تلك المسافة القصيرة المرعبة بين إنسان عطشان وزير ماء. فمديح، الذي حمل معه إلى كندا ذاكرة عراقية لا تعرف كيف تتقاعد، التقط من الحكاية الشعبية ما هو أخطر من النكتة: اكتشف أن بين الإنسان وحريته مخلوقًا لا يُرى، وأن الطغاة، مهما كبروا، لا يستطيعون وحدهم حراسة إمبراطورياتهم، لذلك يتركون داخل رؤوس رعاياهم حارسًا صغيرًا يتولى المهمة. وحين استيقظ الوالي أخيرًا وطلب الماء، ركض مشحوت إلى الزير، لكنه لم يشرب حتى جاءه الأمر. عندها فقط سمح له سيده بأن ينقذ نفسه من الموت. شرب الرجل حتى كاد يبتلع الزير، ثم رفع كفيه شاكرًا من أذن له بالحياة. ولو كانت الحكاية قد توقفت هنا لكانت نكتة سوداء من نكات بغداد القديمة، لكن السؤال جاء كالسوط: لماذا لم تشرب والماء أمامك؟ فأجاب مشحوت بتلك العبارة التي تصلح مفتاحًا لتاريخ طويل من الخضوع: كانت أم الحبوكر تمنعني. ومنذ تلك اللحظة خرجت أم الحبوكر من الحكاية. كبرت. مشت في الأزقة. تسلقت المنابر. دخلت الدوائر والقصور والمقاهي والبيوت، واستوطنت اللغة نفسها. وحين أعاد مديح الصادق استدعاءها بعد سنوات، لم يكن يستحضر شخصية طريفة من ذاكرة المجالس؛ كان يفتح بابًا سريًا في النفس العراقية ويسأل: كم واحدًا منا لا يزال واقفًا أمام زيره، يموت عطشًا، وينتظر أن يأذن له أحد بأن يشرب؟

حين خرجت أم الحبوكر من الحكاية

كانت أم الحبوكر، في طفولة الحكاية، مجرد اسم غامض يصلح لأن يضحك منه الجالسون في مجلس شعبي، لكنها حين وقعت في يد مديح الصادق تحولت إلى كائن سياسي كامل. لم يعطها وجهًا لأن الوجوه تحدد أصحابها، وهو أرادها بلا وجه كي تستطيع أن تسكن الجميع. لم يجعلها واليًا ولا حزبًا ولا رجل دين ولا شرطيًا ولا مخبرًا، لأنها أكبر من كل هؤلاء وأصغر منهم في الوقت نفسه؛ إنها ذلك الصوت الذي يسبقهم جميعًا إلى رأس الإنسان ويهمس له: لا تتحرك. انتظر. لا تقل. لا تعترض. لا تقترب من الزير. ومن هنا يصبح مشحوت أكثر من عبد في حكاية؛ يصبح نموذجًا بشريًا مرعبًا، لأن القيد الذي يربطه بسيده غير موجود في معصميه. يستطيع أن يمشي، لكنه لا يمشي. يستطيع أن يشرب، لكنه لا يشرب. يستطيع أن يرفض، لكنه ينتظر الأمر. وهذه هي النقطة التي يحوّل فيها مديح السخرية إلى مشرط ثقافي؛ فالطغيان عنده لا يبدأ من الجلاد، بل من اللحظة التي يمد فيها الإنسان معصميه إليه. ليست المسألة أن السلطة قوية فحسب، وإنما أن ثمة بشرًا يتعلمون كيف يجعلون ضعفهم فضيلة، وكيف يسمون الخضوع حكمة، والصمت سلامة، والتملق وفاء، والتجسس إخلاصًا، والركوع أدبًا. وفي عالم مديح الغرائبي، راحت أم الحبوكر تتكاثر من غير أن تلد. صارت لها نسخ صغيرة في كل مكان: واحدة تجلس عند باب المسؤول وتعلّم الداخلين مقدار انحناءة الرأس، وأخرى تختبئ في جيب المثقف وتبدل الكلمات قبل أن تصل إلى الورق، وثالثة تصعد المنبر فتمنح السلطان هالة من القداسة، ورابعة تجلس إلى جوار المخبر وهو يصغي إلى أنفاس جاره، وخامسة تقف خلف المواطن حين يريد أن يقول لا فتضع إصبعها على فمه. أما أغرب نسخها فهي تلك التي لا تحتاج إلى أن تفعل شيئًا، لأن الإنسان يكون قد حفظ تعليماتها وصار يمارسها على نفسه. عندئذ يستطيع الوالي أن ينام مطمئنًا؛ فالحارس الحقيقي لم يعد عند باب القصر، بل داخل رأس مشحوت. وهنا تكمن قسوة مديح الصادق الساخرة: إنه لا يمنح المقهور براءة مجانية. يكره الطاغية، نعم، لكنه يفتش كذلك عن المصنع الاجتماعي الذي ينتج له العبيد، وعن اللغة التي تزين العبودية، وعن المصالح الصغيرة التي تجعل بعض البشر يبيعون إرادتهم مقابل فتات يظنونه جاهًا. ولذلك تبدو ضحكته خطرة؛ لأنها تبدأ بنكتة عن عبد عطشان، ثم لا تلبث أن تجعل القارئ يتحسس معصميه ليتأكد أن القيود التي يضحك عليها ليست ملتفة حولهما.

كندا بعيدة... لكن بغداد تعرف عنوانه

ثم حدث شيء لم تحسب له أم الحبوكر حسابًا: سافر الراوي، وبقيت هي في حقيبته. كانت تظن أن المسافات تقتل الحكايات، وأن المحيط الأطلسي أوسع من أن تعبره ذاكرة مجلس عراقي قديم، لكنها اكتشفت أن الذاكرة أخف من جواز السفر. وصل مديح الصادق إلى كندا، فيما ظلت بغداد تصل إليه كل صباح من دون تأشيرة. لم تكن تأتيه بغداد التي ترسمها البطاقات البريدية، بل بغداد الأخرى: مدينة الولاة والعبيد، الشعراء والمخبرين، الضحايا والراقصين في حضرة السلطان، مدينة يمكن أن يتغير فيها اسم الحاكم ويبقى مشحوت في مكانه. وهناك، في المسافة الباردة بين كندا والعراق، اكتسبت السخرية معنى آخر؛ فالبعيد يرى أحيانًا ما يعجز القريب عن رؤيته، لأن الضجيج حين يخفت تظهر هندسة الكارثة. عاد مديح إلى الحكاية القديمة فوجدها تنتظره كأنها لم تُحكَ بعد. لم يعد الوالي والي بغداد وحده، ولم يعد مشحوت عبدًا تاريخيًا، ولم تعد أم الحبوكر خرافة مجلس؛ صار الثلاثة مثلثًا لفهم زمن كامل: سلطة تريد الطاعة، وإنسان يتنازل عن إرادته، وخوف غامض يتوسط بينهما ويقنع الثاني بأن الأول قدر. وعندما استدعى الكاتب الحكاية في زمن الإرهاب والفساد والميليشيات ووعاظ السلطة والنواب الطارئين، لم يكن يزين مقالة سياسية بقصة شعبية؛ كان يقلب المعادلة، فيجعل القصة هي الأصل والسياسة تعليقًا عليها. فجأة بدت البلاد كغرفة مشحوت الهائلة: ملايين العطاشى، وزير ماء قريب، وأم حبوكر لا يراها أحد. بعضهم يريد الأمن فيسلمه إلى من يخيفه، وبعضهم يريد الدين فيسلمه إلى من يتاجر به، وبعضهم يريد الوطن فيضعه في جيب حزب، وبعضهم يريد الحرية لكنه ينتظر أمرًا رسميًا يسمح له بأن يكون حرًا. وفي هذه المفارقة يقترب أدب مديح الصادق من تقليد عراقي عريق جعل النادرة وسيلة لقول ما لا تستطيع الخطب قوله. النكتة هنا ليست هروبًا من المأساة، بل طريقة لاقتحامها من نافذة خلفية. إنك تضحك أولًا من مشحوت، ثم تكتشف أن الكاتب نصب لك فخًا: لقد جعلك تضحك على نفسك. وهذا أحد أسرار السخرية الكبرى؛ أنها لا تضع المرآة أمام الخصم وحده، بل تديرها فجأة ناحية القارئ. ربما لهذا بقيت أم الحبوكر حيّة؛ لأنها ليست شخصية نستطيع طردها من المدينة، وإنما احتمالًا يسكن كل إنسان حين يستبدل إرادته بإرادة غيره، وحين يحتاج إلى سيد لكي يفعل ما يستطيع فعله وحده.

في الصباح وجدوا الزير فارغًا

لكن مديح الصادق لا يكتب عن العبودية لأنها موضوع صالح للبلاغة، بل لأنه يعرف أن للكلمات تاريخًا من الخيانة أيضًا. الكلمات نفسها قد تصبح عبيدًا؛ كلمة الوطنية يمكن أن تعمل في قصرين متحاربين، وكلمة الدين يمكن أن ترتدي عمامة الناسك صباحًا ثم تحمل عصا الجلاد مساء، وكلمة الشعب تستطيع أن تصفق لمن يسرقه إذا أجاد الخطيب ترتيبها في جملة. لهذا يبدو عالمه الساخر مزدحمًا بالمخلوقات المتنكرة: الكافر الذي يصنع منه المداحون إمامًا، والزنديق الذي تغسله البلاغة حتى يصبح شيخًا صالحًا، والبخيل الذي يلبسونه عباءة حاتم، والمخبر الذي يتجسس على جيرانه ثم يخرج من دار العبادة مرددًا وصايا المحبة. إنها حفلة تنكرية ضخمة، لكن الكاتب يقف عند الباب وينزع الأقنعة واحدًا بعد آخر. وهو لا يفعل ذلك بخطاب ثقيل؛ فالسخرية عنده أسرع من البيان السياسي، والحكاية الشعبية أقدر أحيانًا من المقالة النظرية على فضح آليات الاستبداد. كلمة واحدة مثل أم الحبوكر تستطيع أن تختصر مكتبة كاملة عن الخوف الداخلي والطاعة الطوعية وإعادة إنتاج السلطة. إنها ليست نظرية مكتوبة بل كائنًا يمشي، ولذلك يسهل تذكرها. وحين تلتصق الفكرة بصورة، يصعب على السلطة قتلها؛ تستطيع مصادرة كتاب، لكنها لا تعرف أين تصادر امرأة خرافية تسكن رؤوس الناس. تستطيع إغلاق صحيفة، لكنها لا تستطيع إغلاق الحكاية حين تنتقل من فم إلى فم. ومن هنا تتكشف فرادة مديح الصادق في هذه الكتابة: إنه يعيد إلى الحكاية الشعبية وظيفتها القديمة بوصفها مخزنًا للحكمة الممنوعة. فحين لا يستطيع الناس تسمية الجلاد يخترعون عفريتًا، وحين يصعب عليهم تفسير خوفهم يمنحونه اسمًا مضحكًا، وحين تكون الحقيقة أثقل من أن تحملها جملة مباشرة يضعونها على ظهر نادرة فتدخل المجالس من دون أن يوقفها الحراس. لذلك لم تكن بساطة الذين رووا حكاية مشحوت نقصًا في وعيهم؛ ربما كانت ذكاءهم الدفاعي. كانوا يعرفون شيئًا لا يستطيعون التصريح به، فاخترعوا أم الحبوكر كي تقول عنهم ما يخشون قوله. وبعد أعوام طويلة، جاء مديح وأخرجها من مخبئها، نفض الغبار عن ثوبها، ووضعها وسط زمان جديد، فإذا بها لم تشخ قط. وفي ليلة أخرى، بعيدة جدًا عن ليلة الوالي، قيل إن مشحوت عاد إلى الغرفة. لم يكن هناك سلطان هذه المرة، ولا راقصات، ولا كؤوس، ولا طبول. كان السرير فارغًا، والنافذة مفتوحة، والزير في مكانه القديم. تقدم مشحوت خطوة ثم توقف. ظهرت أم الحبوكر عند الباب، لكنها كانت أصغر مما يتذكرها، حتى إنه تعجب كيف استطاع مخلوق بهذا الحجم أن يمنعه عمرًا كاملًا من الوصول إلى الماء. قالت له: انتظر. لم يجبها. قالت: سيأتي السيد. لم يجبها. قالت: من أذن لك؟ عندها مد يده إلى الزير. ارتجفت أم الحبوكر. رفع الكأس. صرخت. شرب. لم يحدث شيء. لم تنشق الأرض، ولم تسقط السماء، ولم يخرج الوالي من قبره، ولم تأت الخيول لتسحبه إلى السجن. شرب مرة ثانية، ثم نظر إلى الباب، فلم يجد أحدًا. كانت أم الحبوكر قد اختفت. وفي الصباح وجدوا الزير ناقصًا قليلًا، وعلى حافته أثر فم إنسان. أما مديح الصادق، في كندا البعيدة، فربما ابتسم وهو يكتب الحكاية الأخيرة، لأن السر الذي احتاج مشحوت عمرًا لكي يعرفه كان بسيطًا على نحو مفجع: لم تكن أم الحبوكر تقف بينه وبين الماء. كانت تقف داخله.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د
قراءة نقدية..

 لرواية (محاكمة مكيافيلي) للأديب سمير عالم
قراءات

قراءة نقدية.. لرواية (محاكمة مكيافيلي) للأديب سمير عالم

عتبات النص تمثل عتبات النص مدخلا لقراءة الرواية، وتتمثل في العنوان والغلاف والإهداء. العنوان، محاكمة مكيافيلي، ومكيافيلي هو سياسي وكاتب إيطالي (1469-1527)، وألف عددا من الكتب أشهرها على الإطلاق كتاب (الأمير) والذي نشر بعد وفاته، وهو في هذ الكتاب يضع عصارة تجاربه وخبراته السياسية كنصائح للحاكم أو…

· 6 د