طالب كريم
عن سلسلة كتاب الأقلام التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار
صدر حديثاً الكتاب الشعري " ما لايراهُ سِوى الرَّسامين " للشاعر البلجيكي " فيليم م روخمان " ترجمة : مهدي النفري .
حينَ تختارُ مجلةٌ عريقةٌ كتاباً ليكون هديةً مع كُلِّ عددٍ جديدٍ، فإنها لاتقدم ورقاً فقط، بل تقدمُ رؤيةً.وفي عددها الثاني لعام 2026 ، تقدم " الأقلام " لقُرائها كتابَ " مالايراهُ سِوى الرَّسامين " للشاعر البلجيكي فيليم م روخمان، بترجمة الشاعر والمترجم العراقي المغترب مهدي النفري، في سبعين و قصيدتين مُترجمةٍ تفتحُ نافذةً جديدةً على الشعر الأوروبيِّ المُعاصر. العنوانُ ليس صُدفةً " مالايراهُ سِوى الرَّسامين " إعلان منهج جمالي قبل أن يكون اسماً لديوان. فالشاعر هنا لايصفُ العالم، بل يُعيدُ رسمهُ باللغة. وقد صنف روخمانُ شاعراً بصرياً من الطراز الأول، لأن تجربته ارتبطت برباطٍ وثيقٍ مع الفنون التشكيلية، فجاءت قصيدته مِحكمةَ البناء، واضحةَ الصورةِ، كان كُلِّ مقطعٍ فيها لوحة صغيرةٌ تُعلقها الذاكرةُ في داخلنا. ولد فيليم م. روخمان في قلب أوروبا الناطقةِ بالهولندية، وغدا أحدَ أبرز الأصوات الشعرية في الأدب البلجيكي المُعاصر، لكنهُ لم يكن شاعراً فقط، كان أديباً مُوسوعياً جمع الشعر والرواية والنقد الفني والصحافة، وسار في دروب الثقافة كمن يبحثُ عنِ الخيط الذي يربطُ بين الكلمة واللون والنغمة. في خمسينيات القرن الماضي كان عضواً فاعلاً في الحركات الأدبية الطليعية التي أحدثت ثورةً في بنيةِ النصِّ الشعريِّ، وساهم في تأسيس وتحرير مجلات أدبية رائدةٍ غيرت وجه القصيدة الحديثة. ولسنوات طويلةٍ شغل مدير مركز الفنون في بروكسل، فتشكلت لديهِ رؤيةٌ تدمجُ بين الأدب والموسيقا والفنِّ التشكيليِّ في نسيجٍ واحدٍ لاينفصل. وهذا الإمتزاج هو مايجعلُ قراءة روخمان تجربةً مختلفة. فقصائدهُ السَّبعون واثنان في هذا الكتاب غنيةٌ بالإشارة البصرية والتأملِ الفلسفيِّ والذاكرة التي تتحرك كلوحةٍ مُتغيرة.هو شاعرٌ لايكتبُ عن الأشياء بل عن الظِّلِّ الذي تتركُهُ الأشياء فينا، وعن الضوءِ الذي لايلتفتُ إليهِ إلا من تعودَ أن ينظُرَ مرَّتَين .قد جاءت ترجمة مهدي النفري لتكون جسراً لائقاً بين لغتين وبين حسَّينِ جماليين. النفريُّ الذي عُرف بدقتهِ في نقل الإيقاع الداخلي للنَّصِّ، نجحَ في أن يجعل من العَربيَّة بيتاً جديداً لهذا الشِّعر، دُونَ أن يفقد النصُّ همسهُ الأصيل. إصدار الكتاب ضمن سلسلة " الأقلام " وكهديةٍ مع العدد الجديد يُعيدُ للمجلةِ دورها التقليدي كصانعة ذوقٍ وكجامعةٍ للأصوات الكُبرى، فالمجلةُ التي رافقت أجيالاً من القُراء العرب، تعود اليوم لتقول إنَّ الترجمة ليست نقلاً، بل هي قراءة ثانيةٌ للعالم، وإن الشعر ليسَ ترفاً ، بل هو طريقةٌ لفهم التحولات الجمالية التي مرَّ بها الأدب الأوروبي بعدَ الحَرب العالميَّة الثانية.
" مالايراهُ سِوى الرَّسامين " دعوةٌ للقاريء العربيِّ ليدرب عينهُ على القراءة البصرية، وليتعلم أن كلِّ قصيدةٌ لوناً، وفي كل سؤالاً. وهي أيضاً شهادةٌ على أن " الأقلام " لا تزالُ تُؤمنُ بأنَّ الكتاب الهدية الحقيقية هُو ذاكَ الذي يُغَيِّرُ طريقةَ نَظَرِنا.
يضم الكتاب - 72 - قصيدة مترجمة ويقع ب - ٢١٢ - صفحة من القطع المتوسط وكان تصميم الغلاف للفنانة إبتسام السيد







التعليقات