انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

السَّامِرِيُّ الْمُعَاصِرُ

مَنْدَاسْ غَرِيسِي
مَنْدَاسْ غَرِيسِي

شاعر وأديب جزائري

4 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
النّص: السَّامِرِيُّ الْمُعَاصِرُ
مشاركة:

حين صار العجلُ شاشةً، وصار الخوارُ ضجيجَ الخوارزميات
لم يعد السامريُّ في حاجة إلى قبضةٍ من ترابٍ يلتقطها من أثر الرسول، ولا إلى ذهبٍ يصهره أمام أعين القوم.
لقد تغيّر الزمان، وتطوّرت الأدوات، وبقيت الحيلة واحدة:
أن تُصنع للناس صورةٌ يعبدونها، ثم يُقنعوا أنها الحقيقة.
كان السامريُّ القديم يعرف شيئًا خطيرًا عن الإنسان:
أن العين قد تسبق العقل، وأن الضجيج قد يخنق السؤال، وأن الجماعة إذا اضطربت، بحثت عن شيءٍ تمسك به ولو كان باطلًا.
أما سامريُّ هذا العصر، فقد ورث المعرفة نفسها، لكنه ورث معها مختبرًا هائلًا اسمه الإعلام، ومصنعًا لا ينام اسمه الذكاء الاصطناعي، ومنبرًا عالميًا اسمه وسائل التواصل الاجتماعي.
لم يعد يحتاج إلى أن يقول للناس:
«هذا إلهكم وإله موسى».
يكفي أن يصنع لهم صورةً تتكرر ألف مرة،
وفيديو يُعاد ملايين المرات،
وعنوانًا يوقظ الخوف،
وخبرًا مبتورًا من سياقه،
وحساباتٍ تتناسل كأنها أصوات الجماهير.
ثم يقول:
انظروا... لقد اتفق الجميع.
وما اتفق الجميع.
إنما اتفقت الخوارزميات على أن تُريك ما يجعلك تبقى.
وهنا تبدأ الحكاية.
يصنع السامريُّ المعاصر عجله من الذهب الرقمي:
صورةٌ بلا حقيقة،
شهرةٌ بلا قيمة،
خبرٌ بلا مصدر،
رأيٌ بلا معرفة،
وعدٌ بلا قدرة،
وخوفٌ بلا خطر.
ثم يمنحه صوتًا.
ليس خوارًا حقيقيًا هذه المرة،
بل إشعارًا يهتز في جيبك،
ومقطعًا قصيرًا يقتحم عينيك،
وتنبيهًا عاجلًا يسرق هدوءك،
وتعليقًا مستفزًا يشعل غضبك.
فيبدأ العجل بالخوار.
ولا يعود الناس يسألون:
هل هذا صحيح؟
بل يسألون:
كم عدد الذين صدّقوه؟
وهنا ينتصر السامري.
لأن الحقيقة لا تحتاج إلى ملايين المشاهدات كي تكون حقيقة،
والكذبة لا تصبح حقيقةً لأن الملايين شاهدوها.
لكن الجماهير في زمن السرعة لا تمنح الحقيقة دائمًا وقتها؛
فالحقيقة تمشي على قدميها،
أما الكذبة فتركب صاروخًا.
كان السامري القديم يجمع الذهب ليصنع به عجلًا،
أما سامريُّ اليوم فيجمع الانتباه.
كل إعجابٍ قطعة ذهب.
كل مشاركةٍ قطعة ذهب.
كل مشاهدةٍ قطعة ذهب.
كل غضبٍ قطعة ذهب.
كل خوفٍ قطعة ذهب.
ثم يصهرها جميعًا في قالبٍ واحد،
ويضع أمامك تمثالًا يلمع في الشاشة.
والمفارقة أن العجل الجديد لا يحتاج إلى أن تصلي له.
يكفي أن تظل تحدّق فيه.
فقد تحوّل الانشغال إلى عبادة،
والتكرار إلى تصديق،
والشهرة إلى سلطة،
والترند إلى مرجعية.
والسامري المعاصر أخطر من سابقه في شيء:
أن عجله لا يقف في الساحة.
إنه يدخل بيتك.
يجلس إلى جوارك.
يمشي معك في الطريق.
يوقظك من نومك.
ويرافقك إلى فراشك.
يعرف ما تحب،
وما تكره،
وما يخيفك،
وما يثير غضبك.
ثم يعطيك المزيد منه.
لا لأن الحقيقة تحتاج إليه،
بل لأن الخوارزمية تعرف أن الإنسان إذا أُطعم خوفه باستمرار، عاد طالبًا المزيد من الخوف.
وهكذا لم يعد السامري بحاجة إلى قيادة القطيع.
لقد صار القطيع يقود نفسه بنفسه.
واحدٌ ينشر،
والثاني يشارك،
والثالث يعلّق،
والرابع يهاجم،
والخامس يدافع،
والسادس لا يعرف شيئًا لكنه يرفع صوته،
حتى يصبح الباطل مهرجانًا من الأصوات.
وفي آخر الصف، يقف السامري مبتسمًا.
لا أحد يراه.
فقد تعلّم أعظم مهارة في عصر الإعلام:
أن يصنع الفوضى ثم يختفي داخلها.
لكن موسى المعاصر أيضًا يجب أن يكون موجودًا.
ليس بالضرورة شخصًا.
قد يكون ضميرًا.
قد يكون عقلًا لا يخاف أن يقول:
توقّف.
من أين جاء هذا الخبر؟
من صنع هذه الصورة؟
من قال إن هذا الفيديو حقيقي؟
لماذا أريد أن أصدّق هذا؟
من المستفيد من غضبي؟
ومن المستفيد من خوفي؟
ومن الذي يربح حين أكره أخي؟
تلك الأسئلة الصغيرة هي العصا التي تستطيع أن تضرب عجل العصر.
فالذكاء الاصطناعي ليس سامريًا بذاته،
والإعلام ليس عجلًا بذاته،
والتقنية ليست شرًا بذاتها.
لكن الأدوات التي تستطيع أن تصنع الحقيقة بصريًا تستطيع أيضًا أن تصنع الوهم بالبراعة نفسها.
ولهذا فإن أخطر إنسان في عصر الذكاء الاصطناعي ليس من لا يعرف استعمال التكنولوجيا،
بل من يستعملها دون أن يعرف متى يشكّ.
لقد تغيّر العجل.
كان من ذهب.
ثم صار من صورة.
ثم صار من خبر.
ثم صار من فيديو.
وقد يصبح غدًا من واقعٍ اصطناعي كامل لا تستطيع العين وحدها أن تميّزه عن الحقيقة.
لكن السامري لم يتغير.
إنه ذلك الإنسان الذي يكتشف ضعف الجماعة،
ثم يحوّل ضعفها إلى سلطة،
ويبيع الوهم على هيئة يقين،
ويضع الضجيج مكان الدليل،
والصورة مكان الحقيقة،
والانتشار مكان الصدق.
ولذلك فإن معركة هذا العصر ليست بين الإنسان والآلة فقط.
إنها بين العقل والخوارزمية،
بين الحقيقة والانتشار،
بين الوعي والتهييج،
وبين إنسان يسأل قبل أن يصدق،
وإنسان يصدق لأنه رأى.
والسامري الجديد لا يريد منك أن تؤمن بعجلٍ واحد.
إنه يريد أن يصنع لك عجلًا جديدًا كل صباح.
فإذا تحطم واحد، صنع آخر.
وإذا انكشف خبر، اخترع غيره.
وإذا سقط وجه، ألبسه وجهًا جديدًا.
حتى يصبح الإنسان مشغولًا طوال حياته بتحطيم العجول،
ولا ينتبه إلى اليد التي لا تزال تصنعها.
وهنا تكمن الحيلة الكبرى.
فالسامري الحقيقي ليس ذلك الذي يصنع العجل فقط...
بل ذلك الذي يجعلك تنسى من الذي يملك القالب.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د