كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي:
انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة!
حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف.
ثم جاء اصحاب الرايات السوداء.
قتلوا اثنين عند مفرق كابرجة، وقالوا انهما هدية الى الخفسة. اعاد السائق جثتيهما الى البلدة مكرها. كانا مجهولي الهوية، لا احد يعرف من اين جاءا ولا من قتلهما. وضعهما اهل الخير في المسجد، لعل احدا يتعرف عليهما، ثم دفنا في المقبرة شرق البلدة.
منذ ذلك اليوم صار الموت يمشي في الشوارع بملابس رسمية.
خاف الناس من الرؤوس المقطوعة، ثم اكتشفوا ان الرأس يمكن ان يبقى في مكانه، ومع ذلك تقع عليه مصائب كثيرة.
بدأوا يلاحقون الناس على الصلاة واللباس واللحية والدخان.
اما انا فكنت، من وجهة نظرهم، مصيبة تمشي على قدمين: بلا شارب، بلا ذقن، احب الموسيقا والغناء، وادخن كأن بيني وبين السيجارة ثأرا قديما.
كانوا يمرون بين الناس ويشمون رائحة الدخان في افواههم وثيابهم، حتى ظننا اننا لسنا في بلدة، بل في مسابقة عالمية للكلاب الشمامة.
ثم جاء يوم انقطع فيه الدخان.
لا دخان مهرب، لا غلواز، لا جيتان، ولا حتى سيجارة يتيمة.
صرنا نتقاسم السيجارة كما يتقاسم الفقراء رغيف الخبز. واحد يسحب نفسا، ثم يناولها للثاني، والثاني للثالث، حتى صارت السيجارة عندنا اكثر اجتماعية من سكان الحارة.
وذات يوم لم نجد حتى سيجارة واحدة.
صرنا نمشي في الشوارع كأننا سكارى، ونحن لسنا سكارى. عيوننا زائغة، وايدينا ترتجف، وكلما رأينا شخصا يشعل شيئا ركضنا خلفه.
قال ابو حمدو:
عندي حل.
قلنا:
شو؟
قال:
نلف من" الصون."
سألناه:
صون شو؟
قال:
" صون" الحمير.
سكتنا.
نظرنا الى بعضنا، ثم نظرنا الى الحمير.
وكان المشهد كافيا لانهاء اي نقاش فلسفي.
من شدة الحاجة، بدأنا نلف السجائر بورق الشام ونحشوها من روث الحمير.
اول سيجارة كانت تجربة علمية فاشلة، لكنها حققت نجاحا اجتماعيا: كحينا جميعا في اللحظة نفسها.
قال ابو حمدو وهو يمسح دموعه:
والله اقوى من الغلواز!
ومن يومها صار الصون بديلا عن الدخان المهرب.
لم نعد نسأل هل هو صحي ام مضر. كان السؤال الوحيد:
هل سيشمونه؟
وبدأنا نتحدث عن الصون باعتباره منتجا وطنيا، طبيعيا، محليا، وصديقا للبيئة.
ولم نعد نحتاج الى مهربين.
الحمير كانت تقوم بالمهمة مجانا.
وعندما تحولت الحياة كلها الى جحيم، قررنا الرحيل الى تركيا.
هناك اشترينا الجيتان والغلواز.
اشعلت سيجارة، واخذت نفسا عميقا، وشعرت للمرة الاولى منذ زمن انني عدت انسانا.
قال لي ابو حمدو:
شو رأيك؟
قلت:
ممتاز.
ثم نظرت الى السيجارة في يدي وقلت:
تصور... كنا نخاف من سيجارة اكثر مما كنا نخاف من الموت.
ضحك ابو حمدو وقال:
لا يا رجل. نحن لم نكن نخاف من السيجارة.
من ماذا كنا نخاف؟
اشار الى الدخان المتصاعد وقال:
كنا نخاف ممن يملك حق ان يقول لنا: هذا دخان حلال، وهذا دخان حرام.
ومنذ ذلك اليوم لم اعد اخجل من كوني مدخنا.
فقد اكتشفت انني لم اكن مدخنة متحركة كما قال صديقي.
كنت مواطنا متحركا، لا يحمل معه من بلد الى بلد سوى علبة سجائر، وجواز سفر، وخوف قديم من رجل يريد ان يشم حريته قبل ان يشم دخان سيجارته.







التعليقات