انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

صيّاد أبكته السمكة

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

3 دقائق للقراءة
29 مشاهدة
صيّاد أبكته السمكة
مشاركة:

لم يكن الليل في مدينة كيل الساحلية يشبه ليالي المدن الأخرى. كان البرد ينساب في الشوارع، والغيوم تتجمع فوق البحر دون أن تفرغ دموعها. أمواج البلطيق تضرب الصخور بإصرار، كأنها تذكّره بأنه ما زال هنا… وأنها ما زالت هناك، في البعيد.

في ذلك المساء، عاد إلى الميناء بعد يوم طويل من الصيد دون أن يصطاد شيئاً، وكأن البحر يعاقبه على انتظار طال أكثر مما ينبغي.

جلس على الصخرة التي اعتاد أن يلجأ إليها كلما ضاق صدره، تلك الصخرة التي استمعت لأحزانه أكثر مما فعل أهل المدينة.

ظلّ يحدّق في البحر الذي يتنفس بعمق ويرسل أمواجه كرسائل لا يقرؤها سواه. هبّت نسمات دافئة من جهته، فشعر ببعض الراحة. أشعل سيجارة، ثم مدّ يده إلى جيبه وأخرج الرسالة التي قرأها مئات المرات… لكنه هذه المرة لم يقرأها، بل ترك عينيه تتبعان الأفق.

كانت قد أرسلت له رسالة قصيرة فور وصوله إلى تلك البلاد، كتبت فيها:

"سآتي إليك مثل غيمة، أحمل لك دفئي وحناني… لكنني لا أعرف متى. هل ستنتظرني؟"

منذ ذلك اليوم صار يقرأ الغيم كما يقرأ الغريب بلاده، وكما يقرأ العاشق وجه حبيبته. كان يفتّش في السماء عن ملامحها، وفي الريح عن صوتها، وفي الغيوم عن وعدها.

لكنها كانت تخدعه دائماً، تعده بالمطر… ولا تأتي. مثلها تماماً.

كان صيّاداً، لكن البحر كان يعيده دائماً إلى الشاطئ بشباك فارغة. فيجلس على الصخرة حزيناً، ضائعاً بين غيمة نائمة في البعيد… وسمكة لا تمنحه سوى البكاء.

في تلك الليلة أراد أن يداوي جرح غيابها، فمال نحو البحر وهمس كأنه يخاطبها: "بيني وبينكِ بحر من عتب… ومحيط من اشتياق".

وبينما كانت همساته تطير فوق الأمواج، رأى امرأة تتقدّم نحوه بخطوات هادئة، بثوب أبيض، كأنها حمامة انسابت من تواشيح الضياء.

ظنّ للحظة أنها هي، المرأة التي جعلته يكتب اسمها على كل منعطف من شرايينه. نهض فجأة، كأن قلبه يسبقه، وظلّ يحدّق فيها باندهاش.

وحين اقتربت، انطفأت دهشته، وبات مثل مدينة لا تؤجّل أحزانها.

رمقته المرأة الغريبة بنظرة غامضة وقالت:

ـ أأنت الصيّاد الذي ينتظر امرأة لا يعرف موعد عودتها؟

بعد أن خرج من دائرة الاندهاش أجاب:

ـ أنا الصياد الذي أبكته السمكة، والذي ما زال يصدّق الغيم.

رسمت أمامه ابتسامة هادئة، ثم مدّت يدها تصافحه وقالت:

ـ أحمل لك منها سلاماً… قالت لي: أخبريه إن مررتِ به، سنهمس أنا وهو في ليل قريب فوق أراجيح الوداد.

شعر للحظة أنه يسمع صوتها من خلفه. التفت سريعاً، فلم يجد أحداً. أراد أن يسأل المرأة إن كانت قد التقت بها، لكنه لم يجدها.

اختفت كما لو أنها لم تكن هنا قبل لحظات. ترك غيابها المفاجئ في قلبه لحناً حزيناً، جعله يتوه في دروب الحيارى. وبينما كان يحدّق في الأفق، بدأت قطرات المطر الأولى تتساقط.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:١٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شَغَفهَا هُيَاماً
ثقافة عربية

شَغَفهَا هُيَاماً

كل شيء جرى بينهما كحلم وردي، لم يكن ليخطر على بال الوليفين الهائمين أن يحدث مثل هذا، أن قُرباً لينبت في الجوار شعوراً صادقاً يجري بقلبيهما، يلقي بينهما في منأى عن كل عقل، فلو كان ثمة عقل لما حدث، لكنه الحب، ذلك الأستاذ الذي بسط جناحيه على الحبيبين، وأظلهما بغمامة من نور. بدأ تعارفهما بشكل طبيعي،…

· 9 د
متمرّدة
ثقافة عربية

متمرّدة

أنا لا أموتُ اذا رفضتَ محبّتي باللهِ لا تلعبٔ على أعصابي فأنا الجمالُ وكلُّ كلّي في الهوى وجمالُ كلّ الكونِ يطرقُ بابي إن شئتُ أسلبُكَ الرّقادِ وأنثني بدلالِ قلبي والغِوى أعتابي إن شئتُ أجعلُكَ المتيّمَ بالهوى فأنا الحقيقةُ والحياةُ ربابي أنا لا أموتُ إذا كسرتَ بخاطري فزهورُ حقلي ضمّدَت أهدابي…

· 1 د
الحاضنة
ثقافة عربية

الحاضنة

تاتي الحاضنة، في الصباح الباكر، لتضع على خاصرتها رداء العمل الابيض، وتحكم رباط شعرها، وتتناول بيضتين من البيض المسلوق، قبل ان تدخل الطفل الحمام، وتراقصه بتلك الأغنية الألمانية، وتجري معه حوارا بلغة لايفهمها احد الا سواها، قبل أن تضعه على السرير، ثم تأتي والدته ،وترضعه، وتنصرف إلى عملها. ظلت الحاضنة…

· 2 د