انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عربية الجاز  ..

سمير لوبه
سمير لوبه

قاص وروائي مصري

3 دقائق للقراءة
57 مشاهدة
عربية الجاز ..
مشاركة:

 يدخل عم حندوقة الشارع تسبق صوته رائحة الجاز. كان للزمن نفسه رائحة لا يعرفها إلا أبناء جيلي في السبعينيات وما قبلها.

 تحفظ الشوارع والحارات نداءه الممدود :

- جااااز

تخرج النسوة بصفائح صغيرة وعم حندوقة في جلبابٍ باهت يجلس خلف بغلته وفي عينيه طيبة زمان. نحيل أسمر شققت الشمس  جبينه، عربته هي مملكته الصغيرة تسير بأربع عجلات متعبة يعلوها خزان الجاز يتدلى منه الصنبور النحاسي.

يعرف الجميع أن قلب عم حندوقة مع " اللول " بغله الذي يجر العربة كل يومٍ بصبرٍ وجلد.

 يعامله كصديق عمرٍ؛ إذا اشتدت الشمس أوقف العربة بجوار حائطٍ طويل يربت على رقبته:

- ريَّح شوية يا صاحبي.

يفك عنه اللجام ويأتي بجردل ماءٍ بارد من أقرب بيتٍ ويطعمه بيده.

وفي الشتاء يغطي ظهره  ويمسح المطر عن عينيه بطرف جلبابه.

أما في البيوت فتمضي الحياة على إيقاع بابور الجاز، تشعل الأم البابور بعد عدة محاولات فيخرج صوته المألوف وتتوهج النار تحت الصاجة السوداء، تغمس السمك في الردة وترصه فوق الصاجة فتتصاعد رائحة شوي السمك رائحة لو مرت اليوم في شارعٍ لبكى قلب كل من عاش تلك الأيام.

الصغار حول الأم وعندما ينتهي الشوي تضعه في ماءٍ به ملح وثوم وشطة فيتشربها السمك المشوي،  ثم تفرش الصحون على الطبلية الخشبية، ويجلس الأب متعبًا من يومه فتناوله الأم نصيب الأسد، والجميع في سعادة يأكلون السمك والصيادية والسلطة الخضراء مع أرغفة الخبز البلدي بنار الفرن.

تملأ الضحكات البيت فيعلو صوتٌ فرحًا:

- لقيت بطروخ

تنفجر الوجوه بالضحك وينظر إليه الصغار بحسدٍ طفولي بريء، ثم ترفع الأم براد الشاي من فوق بابور الجاز تصب كوبين وتضع ورقتي نعناع فيتصاعد بخاره مختلطًا برائحة النعناع، تشيش الشبابيك وتهش الذباب فتبدأ السكينة تخيم على أركان البيت.

يمد الأب جسده المتعب فوق سريره يغمض عينيه مستسلمًا لراحةٍ قصيرة بعد يوم عملٍ شاق.

أما الأم فتجلس على الأرض ورؤوس الأطفال في حجرها الدافئ تفرك شعورهم بأصابعها الحانية فيسري في أجسادهم نعاس الأمان؛ فالأم وحدها هي التي تعرف كيف تطفئ تعب الدنيا.

يلتف الصغار حولها وتبدأ الحواديت، وبصوتٍ خفيض تحكي عن الغولة وبنت السلطان وعن مراكب تشق البحر إلى بلاد العجائب التي لا يعرفها أحد فتتسع العيون دهشةً  في حين ينساب صوت الأم الهامس في أرواحهم .

وفي الخارج يبتعد صوت عم حندوقة ليواصل رحلته بين الشوارع  والحارات حتى يسدل الغروب أستاره. كبر الطفل الذي صرخ يومًا فرحًا لأنه وجد البطروخ وصار رجلًا يحمل على كتفيه تعب الأيام.

تغيرت البيوت واختفت الطبلية، وحلت مواسير الغاز مكان بابور الجاز حتى الشوارع والحارات لم تعد تعرف رائحة السمك المشوي بالردة على بابور الجاز ولا صوت الأم وهي تهش الذباب عند الغروب.

وذات يومٍ وبينما أقف في الشرفة إذا بعربة كارو يجرها بغل يرتجف لها قلبي إذ تعود لي الذكريات، وصوت بابور الجاز وصوت أمي الدافئ .

تذكرت عم حندوقة وسعاله عندما يضحك ويده وهي تربت على رقبة اللول بحنان .

تذكرت زمن الطيبين .

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د