انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

في انتظار ما لا يُرجى..

محمد فيض خالد
محمد فيض خالد

قاص وروائي مصري

3 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
في انتظار ما لا يُرجى..
مشاركة:

تقلقني تلك النَّبرة التي تفتش في الضَّمائر، للأمانة، فقد جاء صوته ثقيلاً كالجبل، يهمس في دهاءٍ ملحاح، يُبالغ في اصطناع الثقة، أعرف أمثاله ممن يعانون -غالباً- من الخواء وعقد النقص: «ألو معك مهندس محمد شباب»، بلكنة شامية غير مريحة. بدا صاحبنا أكثر انتفاخاً، وطَلبَ في كبرياء تحديد موعدٍ للقاء.

اتصلت بصديقي الذي طمأنني؛ فقد أنهى كل ما يخص مسألة التوظيف. بعدها تحرَّك شيء ما في رأسي، لم أنشغل بالموعد المضروب انشغالي بذلك البالون المنتفخ، انتابتني حالة من التَّنمر لم أستطع مقاومتها، أردد بصوت مسموع كلماته في ميوعةٍ مثله وكأنَّني أَنْتَقِمُ لنفسي. لفترةٍ استأثرت بي تلك الخيالات، ومن جديد يحوم من حولي العبث..

عند المساء ارتميت فوق الفراشِ في إعياءٍ، وأغمضت عينيَّ، سريعةً مرَّت أمامي ساعات النهار، يتأتّى صوت صاحبنا الثقيل ينزعني نزعاً، وظللت بين كرَّ وفر حتى غلبني النوم. فتحت عينيَّ في ارتياعٍ على صوتِ المنُبِّه، كان الصباح رخواً، مشبعاً برغوة لزجة ،.

دخلت من باب الإدارة لأول مرةٍ، لم أجفل، وكأننَّي أكوي عواطفي. تلقائياً قصدت غرفته، أشار عامل البوفيه نحوها في إهمال، وبصوت هشٍّ قال: «هناك»، وأكمل تقليب "كنكة" البن

حاولت استرجاع الحوار الوهمي الذي اختلقته، كلمات مرّنت نفسي عليها بالأمس، قلَّبت الذاكرة المُحتشدة بعشراتِ الإجابات، لكنها جميعا تبخّرت ،لكني أتوقع الشر القادم ،العبارات الحادة، الهجوم غير المبرر، معركة الندّ للندّ، لم يسعفني المقام بغير حديث صديقي الأخير، وأثلجت صدري ضحكته الساخرة ليثبّت الثقة في نفسي: «أولاً هو مش مهندس ولا بطيخ!".

انفلتت ابتسامة لطّخت شفتي، وأظهرت حماستي الملتهبة التي دفعتني دفعاً قوياً. على باب الغرفة زايلني خياله: قزم أصلع، مستدير الرأس، التصقت رقبته بكومةٍ من اللحم المترهل، انبعج فوق كرسي كبير في حلة رسمية مهلهلة ورابطة عنق كالمشنقة ، !

في ذهولٍ ألقيت إليه التحية وأنا أكتم ضحكتي، وفي عَجلٍ عرّفته بنفسي. قام من مكانه في تثَاقلٍ مزعوم، ولمعة الغيظ تطفر من عينيه. اقترب بوجهه أكثر، وأذهلني عن نفسي وهو يدفع كرشه العريض من أمامه، يتبعه مفتخراً. وفي وَنَسٍ التقم راحتي بين يديه، وضغط عليها في تَخابثٍ كلصٍ محترف. أستشعر أنفاسه، ذلك النتن المنبعث من بين أنيابه الصفراء ورائحة الدخان. شدّ من الهواء نفساً عميقاً، كَسَر عينه اليمنى حتى أغمضها تماماً وهو يقول: «أهلين كيفك يا زلمة». أستشعر به وقد ضَاقَ خُلقه، يقاوم شيئاً مَأزوماً،.

توقف الزمن للحظات حتى عاينت تفاصيل جسده المكتنز؛ راعتني فروة الشعر الأسود التي تكسو أنفه المكعوف، أصابعه المغرقة بالخواتم. تملصت من كل هذا في حَالةٍ من الزهق، وارتميت على أقرب كرسي،.

بدون مقدمات صرخ بصوت مرتفع يستدعي عامل البوفيه، أخرج علبة الصفيح، وقَرّب بوزه كثعلبٍ ماكر ليقول منشرحاً: «هذا البن مخصوص لا يخرج إلا للحبايب». ثانية عاد للوراء يهتز فوق كرسيه في هُدوءٍ مزعج، وشيَّعني بنظرةٍ تقذف بالضيق وقد انعقد الغضب بين حاجبيه.

حاولت مجدداً طرد تلك الوساوس، فطمأنة مثل هذا الثعلب مطلبٌ لا بد منه. لاطفته بعبارات المدح التي انهالت عليه حتى انفرجت أساريره، وانجذب نحوي وكأنَّه يريد أن يتَخلّص من عبئه. تحرَّك حس الدعابة ليعبق المكان بدفعة من نكاته الوقحة، وانفضت جلستنا على وقعِ ضحكاته التي تشبه الصَّفير..

طلبت الإذن بالانصراف، وعند خروجي نظر إليَّ نظرة من يستعيد صفاء ذهنه، ولتأكيد انزعاجه دسَّ إصبعه في أنفه الضخم، وأداره في عنف وهو يبتسم ابتسامة تحدٍّ،

يزعجني صوت المنبه، في تَضاؤل مددت يدي إليه لأخنقه، وتذكرت أخيراً أن اليوم هو الجمعة!.

مُبكرِاً يستيقظ الهنود كدودِ الأرض، تدب الحياة في البيت، ويَغوصُ الممر الكبير بأصواتهم الممزوجة بروائح الطَّبيخ الخَانقة. تتأرجح ضوضاء مُربكة لا تتوقف سحابة النهار. أزحت الغطاء عن وجهي، وفي تَعطّشٍ عَانق بصري ضوء النافذة الضئيل القادمُ من خَلفِ السِّياج الأخضر. بللت شفتي ابتسامة هزيلة.. أخيراً تحررت من قَبضةِ حلمٍ سخيف، بينما التحمت عيني بالنعاس ثانية، ورأسي مهمومٌ بلقاء الغد!.

مشاركة:

آخر تحديث: ١١ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٨ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د