انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

قمر كوردستان

إلى الطفل عطا، وكلّ طفلٍ وُلد للحبّ فاغتالته الحروب

عبد الكريم مراد
عبد الكريم مراد

شاعر وأديب سوري

3 دقائق للقراءة
18 مشاهدة
قمر كوردستان
مشاركة:

عَطا

لم تكن صغيرًا فحسبُ،

بل كنت تلهو ببراءة الطفولة.

أيـا قمرًا تاه ضوءُه في زرقة العيون،

وكأنَّه امتزج بأشعة الشمس الذهبية

لتسطع شقرته،

وأنت في حزمة ربيعك

كفلقة القمر،

ولا تزال في طور الهلال.

يا لحناً ذاب على شفة الصِّبا،

يا سيمفونيةً تلاشت على وتر البراءة

قبل الغناء،

يا صدىً أُطفِئ قبل النداء.

زعموا تماديك،

ولكنِّي أتساءل:

متى يتمادى الحلم؟

هل يتمادى الحلم في دفء الرغيف؟!

هل يتمادى في نغمة اللّحن؟ في الغناء؟!

يا إلهي

قيّدوك،

حملوك،

قبضوا الأنفاس والأضواء،

وفي إحدى الليالي اقتادوك،

خلف القضبان قذفوك،

مع ألفين من الأبرياء،

دون ذنبٍ ولا جرمٍ

سوى الانتماء للوطن،

لكوردستان الكرامة والأصالة،

لجودِّيها، لأرارات،

لحمرين، لخانقين،

لقلعة شيروان، لسِيروان ودجلة،

للشمس، للنور والضياء،

للرَّاية الحمراء

ولم تنتهِ بعد الحكاية.

***

بمرارة اللوعة والحزن

أسرعتِ الخُطا أمُّ عطا،

تُهرول مُقبلةً في يوم الزيارة،

تجترّ مرارة ريقها،

ترتشف دموعها،

بريئةٌ كوحيدها،

مسكينةٌ لم تكن تدري – مثل غيرها من أمهات الضحايا –

أنَّه لقاء الوداع.

دخلت وهي تنادي بملء فيها:

عطاااااااداية بقربان!

أين أنت؟ تعال!

تقدَّم عطا كرضيعٍ للتوّ يخطو خطواته الأولى،

بمشقةٍ، بالكدّ يسحل رجليه،

متهدّجًا صرخ عطا:

“داية قربان!

داية، لقد ضربوني!

وارتمى بين ذراعيها،

حنيناً إلى صدر أمه.

ضمّته بقوة،

بلهفة اللبؤة،

رفعت قدمه إلى خدّها بكلتا يديها،

وكأنَّها ستسحب وجعه إليها.

تنهَّدت، ثم رفعت يديها ووجهها إلى السماء:

ربّاه! تُرىماذا فعلنا نحن الكورد؟!

ما ذنبُنا وقد تكالبت الأنظمة

وتراكمت علينا المصائب؟!

أجل… ! 

وكأنَّ السماء ردّت:

إنّه الانتماء،

للوطن،

لكوردستان الكرامة والأصالة.

***

صدى صوت السجّان

يتردّد في بهو السجن المغلق:

انتهت الزيارة، اخرجوا!

صُعِقت أمُّ عطا،

دبَّت اليقظة في عروقها،

وكأنَّ دقّات قلبها تقول لها:

استيقظي أيّتها المغفّلة!

إنَّه لقاء الوداع

لن تري عطا ثانيةً.

حضنَتْه،

ناهيك عن القُبَل،

ضمَّته بشدّةٍ إلى صدرها،

رمته خلفها،

تحاول أن تحميه

الناس خرجوا جميعًا،

وبقيت هي مع وحيدها.

تتأمّل أسوار السجن العالية المتينة،

تفكّر بعيدًا،

لتطير به،

لتنقذه

ولكن هيهات! هيهات!

فما الذي تصنعه راحتان صغيرتان ناعمتان

لامرأةٍ عزلاء؟

صرخ السجّان في وجهها:

اخرجي!

لكنّها — الأمومة الحقّة —

تتوسّل، تتضرّع بلهفةٍ،

لا بالعربيّة التي لا تعرفها،

بل بلغتها الكورديّة الأصيلة:

«مِنْ لێره عطا  له و ێ  !»

أيّها السجّان،

بحقّ الأمومة، ابقني هنا في السجن،

وليخرج عطا.

وحيدي صغيرٌ،

سجنه حرام،

وتعذيبه إجرام.

لكن السجّان لم يستجب،

وهل يمتلك العبد حرية الإرادة والقرار؟

إنه عبدٌ مأمور من المجرم،

من ضيّاع العراق،

مجرم العراق بحق البشر،

بحقّ الكورد والعرب،

بحقّ الإنسانيّة كلّها!

دون جدوى

ثم همّت بالخروج،

واستأسدت.

التفتت إلى عطا،

رشفت دموعها المنسابة الممزوجة بمرارة ريقها،

وخاطبت وحيدها باعتزاز:

ولدي، صغيري

اصبر، وليكن ما يكون.

هذا تراب كوردستان،

فلتكن ذبيحها،

ذبيح الانتماء

للوطن،

لكوردستان الكرامة والأصالة.

***

سلسلة الإعدام حديديّةٌ صمّاء،

عديمة الشعور،

كقلب أبي وداد الخالي من الوداد،

مُنفِّذ الإعدام.

مربوطةٌ بجرّة غازٍ ثقيلة،

معدّة للإعدام لا للطبخ،

لكنّها لم تُرهِب عطا،

لأنَّه لا يعرف الإعدام،

ولا معنى الإعدام،

وإنّما ما قهره

أنَّهم سلبوه ألعابه — ألعاب الطفولة.

أنَّهم حمّلوه إلى أبي وداد كريشةٍ،

وبقدمه الناعمة ربطوا جرّة الغاز،

والجرّة مربوطةٌ بالباب،

وسحبوا عتلة باب الآخرة،

لتسحب عطا،

وتنفصل رقبته،

وينقطع نخاعه.

غادر القمر،

لكنّه بقي نجمًا ساطعًا في سماء الوطن،

وصار بدراً ينير لكوردستان.

فبكى الليلُ خطى طفلٍ قضى فجراً،

وقبل أن يدنو الضياء.

آه

يا وجعَ أمٍّ لم تجد

غير قبرٍ من ترابٍ وادّعاء،

نامت عيونُك،

غير أنَّنا لم نزل نحيا

على صوت السؤال والنداء:

من يردّ الطفل إن ماتت يداه؟

من يعيد النور إن مات العطاء؟

غاب عطا،

وتجذّر بغيابه الانتماء،

للوطن،

لكوردستان الكرامة والأصالة

مشاركة:

آخر تحديث: ٢١ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:١٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د