(1)
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها:
أختلي بنفسي،
وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا
حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج
بطرف الفراش
حين أقرّرُ النّوم.
(2)
كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا،
ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة،
ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره،
كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت
فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين مسنده.
كبرتُ وأنا لا أعرفُ القلب
إلاّ بصفتهِ عطبًا.
لذلك كانت أمّي تحذّرني
من أزيزِ التّنك بصدري،
خاصّةً حين يمثلُ أبي أمام غرفتي،
مُتعقّبًا كلَّ البراغي التي سقطتْ منّي
ذلك اليوم.
كيف كان لي أن أفهمَ وقتها
أنّ الآباء يُصلحونَ الأشياء
بالقضاءِ عليها؟
(3)
لم يحدث أن عانقني أبي
أو قالَ أنّهُ يحبّني.
لم يحدث أن ندهني
إلاّ حين أعودُ من المدرسةِ
بإلهٍ مُلتوٍ أو مخدوش،
فيُعيد تشغيلَ إيماني بالذِّكْرِ والأوراد.
ماذا تفعلُ البنتُ بأبيها
حين تسمعُ آية الكرسيّ على لسانه
أكثر من ٱسمها؟
جرّبتُ الصّلاة،
لكنّني لم أعرف كيف أحدّثُ السّماء
عن فتاةٍ لكثرةِ ما صدأت أفكارها،
تغسلُ طَرْحَتَها يوميًّا.
(4)
البيوتُ المجاورةُ كانت تعملُ بالله أيضًا،
و بقليلٍ من الغاز والكهرباء.
نسمعُ تكبيرةَ الإحرام
فنعرفُ أنّ أهلها تعشّوا جيّدًا ذلك المساء.
كانت أمّي تقول بأنّنا أغنياءُ بإيماننا،
و مع ذلك،
تمنّيتُ لو كان الإيمان لمّاعًا
ومُستديرًا،
أو أنّني سمعتُ له رنينًا
و أنا أُحصيهِ أمام كشك الفشار.
حاولتُ أن أُصدّقَ أمّي،
لكنّي تجشّأتُ كلَّ التّصديقِ من فمي
حين مسكني البائعُ بكيسِ البلاستيك
تحت قميصي.
(5)
ليلتها،
كانت بطني المنتفخةُ حدثًا أكبر
من فواتيرِ الغاز والكهرباء،
و الطُّوفانِ الذي عمّ البلاد
و تحريرِ فلسطين.
من بينِ كلِّ الأماكن،
ارتأى أبي أنّ الغضبَ هو الأرحب
لنلتقي فيه
مرّةً من كلِّ إثم.
ماذا تفعلُ ٱمرأةٌ لم تعرف الله
إلاّ وهو ينتفضُ تحت صدغِ أبيها؟
(6)
المرّةُ الوحيدةُ التي قرأتُ فيها القرآن
لم تكن لأفوزَ بالآخرة،
بل لأستعيدَ أبي
الذي أعيشُ معه من ثلاثةِ عُقود
تحت سقفٍ واحد
ولازلتُ أنتظرُ وصوله.







التعليقات