انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

وطن يمشي في بلاد غريبة

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

4 دقائق للقراءة
33 مشاهدة
وطن يمشي في بلاد غريبة
مشاركة:

ما أكثر الذين يمشون في بلادٍ غريبة، يبحثون عن وطنٍ فيجدونه في هيئة إنسان.

منذ اندلاع الحرب، وصلتُ إلى هامبورغ مثقلاً بالنزوح والخسارات، أمشي كغريبٍ يجرّ خلفه ظله ولا يعرف من المدينة سوى بردها الذي لا يلين.

وفي مساءٍ باردٍ على شاطئ بحيرة الألستر، أو كما يسمّيها أهلها "قلب هامبورغ النابض"، رأيتها للمرة الأولى. كانت تترك حولها أثراً من ضوء، وتمشي بخفة، كأن الهواء يفسح لها الطريق بين الوجوه.

لم أستطع أن أشيح بصري عنها؛ بدا لي أنني أرى كوكباً صغيراً. وحين اقتربتْ أكثر ورأيتُ الزهو يعلو وجهها، شعرتُ أن شيئاً في داخلي يتحرّك للمرة الأولى منذ وصولي إلى هذه البلاد.

سرتُ باتجاهها كمن يعثر على وطنٍ ضائع. وحين انتبهت لي، ابتسمت، ثم تابعت سيرها، وكأنها تمنحني إذناً صامتاً بأن أتبعها. ظلّ نور وجهها يلامس القلب، وفجأة سمعتُ داخلي يقول: هذه هي التي كثيراً ما كتبتها شعراً على أوراق الليل.

بدأتُ أحب المدينة كلها؛ بردها، شوارعها، أبنيتها، حدائقها، نهرها، وميناءها الكبير. وبعد يومين رأيتها تخرج من محطة القطارات. لم أتمالك نفسي، اقتربت منها بلا بروتوكول. ابتسمت مرة أخرى، كأنها تعرفني منذ زمن بعيد. وحين وقفتُ أمامها دون كلام، قالت:

ـ أظن أننا التقينا من قبل… هل تبحث عن شيء؟

ـ أبحثُ عن شيء يجعل هذا المساء أكثر دفئاً.

ثم أضفت وأنا أنظر إلى عينيها بفرح طفولي:

ـ هل تعرفين أنكِ تشبهين غيمة تحمل الدفء وتمسّ القلب؟

ضحكت وقالت:

ـ إذن أنت محظوظ، فسأمنحك الدفء ما دمتَ شبهتني بغيمة.

ومن تلك اللحظة بدأ كل شيء.

صرنا نلتقي كثيراً بعد ذلك المساء. علمتُ أنها لاجئة أيضاً، وأنها هربت من الحرب في بلادها، وتعمل في مكتبة صغيرة قرب البحيرة، تقضي فيها ساعات طويلة بين الكتب؛ فهي الوحيدة التي تُنسيها أحزانها.

كان صوتها يحمل تحدياً وإصراراً على البقاء، رغم أن شيئاً ما كان يسكن عينيها؛ لم أعرف إن كان حزناً أم خوفاً.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كنا نجلس على ضفة نهر الإلبه، رنّ هاتفها. نظرت إلى الشاشة نظرة جعلت يدها ترتعش، ثم نهضت فجأة، كأن الأرض ضاقت بها.

في تلك اللحظة أدركت أن كل شيء تغيّر، وأن هناك شيئاً تخفيه… شيئاً يثقل قلبها ويدفعها للهرب.

وقفتُ أمامها وقلت:

ـ ماذا حصل؟ هل هناك ما تخفينه عني؟

صمتت قليلاً، وأخفضت رأسها، ثم قالت:

ـ لا تشغل بالك… أحياناً لا نختار ما نُخفيه، بل يختارنا هو.

قلت بشيء من الحزن:

ـ هل أرافقكِ إلى حيث تذهبين؟

لكنها لم ترد، وغادرت بخطوات سريعة دون أن تلتفت.

لم تكن تلك المرة الأولى التي تغادر فيها فجأة، لكن نظرتها هذه المرة كانت مختلفة؛ كان الغياب فيها يشبه الوداع.

طالت أيام الصمت، حتى وصلتني منها رسالة قصيرة تخبرني بأنها لا تستطيع أن تأتي. لم تشرح شيئاً، ولم تعتذر؛ فقط شيّدت بيني وبينها جداراً من الغياب.

وبعدها بيومين، جاءت رسالة أخرى. علمتُ منها أنها فقدت عائلتها في الحرب التي ما تزال مشتعلة في بلادها، وأنها لا تريد أن يراها أحد في لحظاتها المظلمة.

عندها فهمت أنها لا تريد أن يشاركها أحد هذا الألم؛ وأن غيابها لم يكن هروباً مني… بل هروباً من نفسها.

مرّت تسعة أيام، كنتُ خلالها أحاول الاتصال بها، لكن هاتفها كان مغلقاً. وفي ليلة هادئة، بينما كنتُ أستريح على مقعد خشبي قرب البحيرة وأكتبها على شاطئ حنيني، سمعت وقع خطوات خلفي. التفتُّ، فرأيتها واقفة على مقربة مني، تحمل في عينيها الحزن ذاته الذي تركتني به.

كانت تبدو كمن عاد من معركة خفية؛ منهكة لكنها مصممة على ألا تهرب هذه المرة.

تملكني فرح مفاجئ، فقلت وأنا أحاول أن أستعيد أنفاسي:

ـ منذ أن رأيتكِ أول مرة وأنتِ تترسخين في ذاكرتي مثل وطن… لماذا جعلتِ غيابكِ المؤلم يمنحني لحناً حزيناً؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:

ـ ها قد جئتُ إليك… فلا تحزن.

جلست بجانبي، وبقيت صامتة، تنظر إليّ تارة، وإلى النافورة الراقصة تارة أخرى، رأيتُ في عينيها اعترافاُ بأن الطريق الذي سلكته وحدها كان أطول مما ظنّت، فطلبتُ منها ألا تتعود على الغياب، لكن صمتها كان يقول إنها غير واثقة من قدرتها على ذلك.

كانت عودتها اعترافاً غير منطوق بأنها تعبت من الهروب، وأن غيابها لم يكن سوى محاولة يائسة لحماية الآخرين من عتمتها.

وقفت بعد لحظات، ومشت نحو البحيرة بخطوات بطيئة؛ لا تختفي ولا تتلاشى، بل تترك لي أن أقرر.

نظرتُ إلى أثر خطواتها على الرمل، وبقيت حائراً: هل أبقى حيث أنا، أكتبها على أوراق الليل وأعيش على حضورها المتقطع، أم ألحق بها وأدخل معها في معركة الضوء والظلام التي تخوضها؟

وقبل أن تبتعد، همس شيء فيَّ: "مثلها لا تُكتب على الورق… بل يُمشَى إليها".

لم أنتظر طويلاً، لحقتُ بها كأنني طائر وجد وليفه، فالتفتت إليّ بنظرة لم أفهمها تماماً؛ نصفها امتنان، ونصفها حيرة وخوف. توقفت لثوانٍ، ربما أرادت أن تختبر قدرتي على الدخول إلى عالمها الذي لم تخبرني عنه بعد.

ثم تابعت المشي، وتركت بيننا مسافة صغيرة، تكفي لأن ألحق بها، وتكفي أيضاً لأن أعود من حيث أتيت.

راقبتُ المسافة بيننا، ومن خلالها عرفتُ أن قصتنا لم تبدأ بعد… وأن الطريق هو من سيقرر عنا.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٢ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:١٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
طلب نشر قصيدة بعنوان "دعاءٌ في حِداد "
ثقافة عربية

دعاءٌ في حِداد

⸻ إهداء إلى أَطْفالِ سُوريّا، الَّذينَ كَبِروا قبلَ أوانِهِم، وحَمَلوا فوقَ أكتافِهِم الصَّغيرةِ ما عَجَزَ الكِبارُ عن حَمْلِهِ… " دُعاءٌ في حِداد" الراياتُ مطويَّةٌ… والنَّاسُ غيابْ. هذا قَتيلٌ، وذاكَ سجينْ، وذاكَ مَنفيٌّ، وذاكَ مخطوفٌ، وذاكَ مهاجرٌ نَجا من الغَرَقِ، ولم ينجُ من غُربةِ الوطن… هُمْ…

· 4 د