انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الكاتب محمد الكاظم: أنا تلميذٌ نجيبٌ لكلّ مدارس السرد العظيمة التي سبقتني

يبحث عن الخصوصية ومتمرّدٌ على تقاليد النصّ الأدبي

م
محمد الكاظم
·19 دقائق للقراءة
3 مشاهدة
الكاتب محمد الكاظم: أنا تلميذٌ نجيبٌ لكلّ مدارس السرد العظيمة التي سبقتني
القاص والكاتب محمد الكاظم
مشاركة:

في عالمه السردي، تتحول القصة القصيرة إلى مختبر للتجريب والدهشة، حيث يلتقي الواقع بالخيال والمأساة. صدرت له سبع مجموعات قصصية في العراق وخارجه، وكتب في الأدب والفكر والنقد والإعلام وصدرت له كتب مثل (العملية الثقافية) و(الريل والشيطان: حفر في نفايات العقل العراقي) و(العراق: عتبات تفكير غير مقدسة لعقل كسول). بعض أعماله تُرجمت إلى الإنكليزية والفارسية والتركية والدنماركية، وأقيمت له فعاليات وقراءات في بغداد والشارقة ودبي ودمشق والقاهرة والدار البيضاء والخرطوم وكوبنهاغن وطهران وأنقرة، عمل في الصحافة، وكتب وقدّم آلاف الحلقات التلفزيونية في تسع محطات فضائية، كما كتب في أكثر من 34 مؤسسة إعلامية عربية ودولية، مشاركًا بوعي معرفي وثقافي في صناعة الخطاب العربي المعاصر. نال الكاتب عددًا من الجوائز العربية والدولية المرموقة، منها جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع، وجائزة الإبداع العراقي، وجائزة دبي الثقافية، وجائزة الشارقة للإبداع العربي، إلى جانب جوائز عراقية وعربية في السرد والقصة القصيرة. وصدرت عن أعماله دراسات أكاديمية عدة، تناولت التشكيل الفني، والعلامات، والانساق التي انطوت عليها نصوصه التي دار حولها حوارنا التالي..

أنْ تكون عراقياً يعني أن تكون كائناً احتجاجياً
غادرتُ مرحلة البوح الفردي بعد انقضاء مرحلة البدايات
الأمل في وقتنا هذا يمثّل التزاماً أخلاقياً تجاه المجتمع كي لا تنهار أرواح البشر

الكاتب محمد الكاظم في صور

قصصك تبدو وكأنها تحتج باللغة أكثر مما تقول بها. هل السرد عندك أداة للبوح أم سلاح للاحتجاج؟

أنْ تكون عراقياً يعني أن تكون كائناً احتجاجياً، فجدُنا كلكامش احتج على نواميس الكون وطبيعة الأشياء وحاول أن يقهر الموت. الاحتجاج ليس غريباً في بلد كان طوال تاريخه عبارة عن مصهر عملاق للأفكار وبوتقة للأسئلة الكونيّة، فهذا البلد أنتج قصص الخلق الأولى، والأديان الأولى، والتصورات الأولى للكون، وأجاب بطريقته على الأسئلة الوجودية والحضارية الأولى التي راودت العقل البشري. ليس الاحتجاج غريباً على بلد أنتج أفكار الإمامية والأحناف والحنابلة والشافعية والزيدية والمتصوفة والمعتزلة وإخوان الصفا وغيرهم، وأنتج تالياً أفكار القوميين واليساريين والإسلام السياسي. وأنتج الملاحم المدونة على الطين وأشكال وأغراض شِعر ما بعد المُعلقات، وأنتج شعر التفعيلة وإرهاصات التمردات الأولى على شعر العمود. وأنا واحد من ورثة كل هذا الصخب والأسئلة.

بالنسبة لي غادرتُ مرحلة البوح الفردي بعد انقضاء مرحلة البدايات، ولم تعد الكتابة عندي مجرد تفريغ لطاقة لفظية أو عاطفية مكبوتة، بل وسيلة احتجاج، وطريقة للاشتباك مع تفاعلات الحياة، وأداة لفهم العالم، فحين تولد في المسافات الفاصلة بين الحروب لابد أن تعي أن الكتابة ليست بديلا عن المقهى، وليست وسيلة تسلية. الكتابة وظيفة اجتماعية، وتماهٍ عضوي مع المحيط، ومجاراة لطريقة تواصل السماء مع البشر. الكتابة عندي محاولة لإعادة الاتزان لمفردات العقل الذي تعرض للكثير من العبث، فنحن أجيال تعرض عقلها لهزّات عنيفة طوال القرن الماضي، ولم يتطور وعينا تطوراً طبيعياً، فقد ساهمت السلطات المتعددة بتنميط أذهاننا، وساهم بعض مثقفينا بخداعنا، واستمرت بوصلتنا بالدوران طوال قرن كامل بين الاستانة ولندن وموسكو والقاهرة وواشنطن وطهران وأنقرة والرياض والدوحة. حتى أصبنا بالدوار، لقد قرأنا الأدب التعبوي الروسي قبل أن نقرأ قصة ليلى والذئب؟ وتعرفنا على القعقاع وصلاح الدين الأيوبي قبل أن نتعرف على السندباد؟ وانشدنا (إحنا مشينا للحرب) قبل أن نحفظ كلمات أغنية (عمي يا بياّع الورد)، وشاهدنا فيلم (الأيام الطويلة) قبل أن نشاهد فيلم (الأرض). وشاهدنا برنامج (صور من المعركة) قبل أن نسمع نجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ، وتعرفنا على ملمس الكلاشنكوف، قبل أن نتعرف على ملمس جسد امرأة.

كانت عقولنا تتعرض لوصفة مثالية لصناعة (دون كيشوت) معاصر يحارب طواحين العالم، ويحارب نفسه إن لم يجد من يحاربه. معنى ذلك أننا تسممنا بجرعات أوهام البطولة التي تضخمت حتى جاءت الحروب وكسرت تلك الأوهام، وكسرتنا معها. ثم كسرتنا ظلال الحصار والغربة والاحتلال والعنف والإرهاب، وسيل قاطعي الرؤوس وكائنات الظلام المتوحشة، ثم أجهز علينا الفساد وشعورنا بالخيبة من ضياع حلم الدولة الكريمة التي تحقق العدالة الاجتماعية وتعيد التوازن الى الذات الكسيرة، فصرنا جيلاً منقسماً على ذاته، قسم يستمرئ رائحة الدم والعنتريات وفقاعات التستوستيرون الثوري، وقسم يعيش في محارة اللغة ويعبر عن خيالاته الحسية عبر النصوص الغائمة منزوعة المخالب. وصار المجال العام مشحوناً بالمتناقضات المتطرفة التي تعد الوسطية جبناً وتخاذلاً، والتعقل دياثة، والنقد شغباً، والتغريد خارج السرب فوضوية، والانفتاح على العالم تراخياً، والحديث عن اولوية مصالح الوطن والمواطن تنازلاً عن القضايا الكبرى، والتفكير في المستقبل بطراً، فيما تتلقى شعوبنا الصفعات على مهل. احدى وظائف الأدب تكمن في أن يحتج ويقول: أوقفوا هذا الهراء، وتعالوا نفكر في الغد. ونعيد النظر في ما نفعله ونمنع انفسنا السقوط في فخ الكلمات.

الاحتجاج ليس شغباً بالضرورة، بل هو وسيلة تنوير وإصلاح ودعوة للتأمل والتفكير.

في مجموعتك القصصية (مقبرة الغراب) لا نواجه الموت كحادثة، بل كمشروع معماري للآخرة. ما الذي أردت أن تشيّده في وجدان القارئ من خلال هذا الطرح؟

الموت ليس حادثة عابرة. موت (هابيل) كان صدمة أخلاقية للوعي الإنساني، وموت (أنكيدو) كان صدمة وجودية، وموت (الإمام الحسين) كان صدمة ثقافية وصرخة وجدان، وهناك ميتات أخرى غيرت شكل العالم، انظر إلى الأهرامات والمقابر والمدافن والمعابد والمزارات والُنصب، ستكتشف ان الموت هو أعظم معماري في العالم. الجانب الآخر المتعلق بالموت هو اننا شعب واجه الكثير من الموت غير المبرر، ولابد من وقفة طويلة مع الذات تمهد للخروج من زوابع البارود والغبار ورائحة الدم وقوافل التوابيت. وهذا لن يحصل دون وعي وتربية على الشعور بقيمة الإنسان، لذا نحتاج لاعادة موّضعة طريقة حياتنا في المكان والزمان عبر طرح الأسئلة المناسبة، واهمها (من نحن؟) و(الى أين نسير). اشعر اننا نهتم كثيراً بمن يقود القطار وبمن يجلس في عربات الدرجة الأولى، ونبذل جهداً طوال عمر الدولة في إبقاء ركاب الدرجة السياحية هادئين ومهذبين، لكننا ننسى دائماً ان قطارنا يحتاج الى سِكة يسير عليها. لم ننتبه الى عدم وجود سكة لأننا منشغلون دائما بالسجال والصراع الدموي حول قائد القاطرة. هذا جزء مما حاولت تلك المجموعة أن تقوله.

مجموعتك القصصية (العراقنامة) جاءت نصًّا عصيًا على التصنيف: مُربعات، هوامش، بياض، كأنك كتبت على جدار لا على ورق. ما الفكرة الفلسفية خلف هذا التمرد الشكلي؟

أنا أرى أن الحياة أصبحت معقدة كثيراً وهي تحتاج الى نصوص مختلفة تُشرك القارىء في صناعة النص وجعله شريكاً في محنة الكلمات، وتستلهم تعقيد الحياة وتشابكها وتتفاعل معها، ولا تكتفي بالنصوص التي يمكن كتابتها بمجرد قدرة الكاتب على تحويل النيكوتين والكافيين ووقت الفراغ إلى كلمات.

أنا مُخلص لفن القصة القصيرة، وقصص مجموعة (العراقنامة) هي اشتغال قصصي صرف يحمل كل مواصفات القصة القصيرة وشرائطها، حتى لو بدا غير مألوف لقراء السرد التقليديين. هذا الاشتغال له مرجعيات ثقافية في أدبنا وتراثنا العربي والإسلامي، فقد استلهم تقاليد المؤلفين والورّاقين البغداديين القدماء، لكنه اعتمد تقنيات معاصرة تتفاعل مع تحولات العالم. فلا يمكن ان نعيش مرحلة تفكك السرديات الكبرى وتحول المركزيات المهيمنة دون أن ينعكس ذلك على النص شكلاً ومضموناً، ولا يمكن أن نعيش مرحلة تحّول العالم الى قرية صغيرة، ومرحلة انفتاح الأسواق، و(تجاور الفنون) وطغيان (المشهد) والصورة على النص، وظهور بواكير خيال الآلات والذكاء الاصطناعي، دون أن تجد تلك التحولات صداها في الأدب.

ولا يمكن مواجهة كل هذا التشظي الإنساني الذي صنعته الميديا والأنترنت والعولمة بسلاح (الأسلوب). الأسلوب نمط. والعالم المتحرك لم يعد يعترف بالأنماط غير المرنة. العالم صار معقداً ومعبأ بطروحات الكائن الكوزموبوليتاني والتعددية الثقافية وتكتيكات القوة الناعمة والهندسة الاجتماعية والانفتاح الثقافي وصدام الحضارات ونظريات الفوضى الخلاقة وإعادة تشكيل العالم وصراعات الهوية. كل هذا صار يسحب الكاتب بعيداً عن قوقعة الذات، ويجبره على الانفكاك من الدوران في حلقة اللغة. لا بد من عدسات أخرى للنظر إلى العالم قد تكون إحداها ما أسميه أحيانا (الكرنفالية –الرؤيويّة- السوداء). وهذا ما دفعني للقول ذات مرة إن السرد بعد (العراقنامة) لن يبقى كما كان قبلها.

توصف أعمالك في أنها تميل الى التجريب، واكتشاف مناطق جديدة، ماذا يمثل التجريب بالنسبة لك.

التجريب نزعة إبداعية واعية لكسر القوالب ورغبة باكتشاف شكل جديد للتعبير عن الواقع، التجريب بمعناه المطلق يشبه الألعاب النارية، أما التجريب الذي انتهجه فهو يشبه مصباح الشارع فأنا في تجريب مستمر يضع المآلات وخارطة الطريق السردية نصب عينيه، وربما هذا هو ما دفع أستاذنا القاص محمد خضير للكتابة عن مجموعة العراقنامة قائلاً: (إنها تنطلق من معرفة سّردية نقلت أحوال التجريب الشخصيّ إلى أحوال المدوّنة السردية ذات التفريعات والدلالات الكبرى على تاريخنا المعاصر) وهذا توصيف يكفيني حالياً، فانا لا أحب الحديث كثيراً في عالم القصة القصيرة كالحرفيين حينما يتحدثون عن صناعتهم لئلا أفقد دهشة الإمساك بعصافير النص الهاربة، وأرانبه الوجلة، وأحصنته الجامحة. ولديّ شعور بأنني اجترحت شيئاً جديداً أضفته لفن القصة القصيرة، لكنني وجدت نفسي ذات يوم محتاراً بين الاستمرار في كتابة هذا النوع من النصوص، وبين وضع الإطار النظري لها، في النهاية انتصرت غواية الكتابة وسحرها وكانت أقوى وأشد تأثيراً واغراءً، فقد صرت كهلاً ولا وقت لديّ لأضيعه في التنظير والتفسير، ومازال عندي المزيد لأضيفه الى مسيرتي في الكتابة، فكلما كبر حجم الناقد داخل النص مات الكاتب. وأنا ما زلت أريد لنصي أن يبقى حصاناً برياً جامحاً لا عصفوراً ملوناً في قفص للزينة.

لأي مدرسة من مدارس السرد تنتمي؟ وماهو التيار الذي تتبناه في كتاباتك؟

أنا تلميذ نجيب لكل مدارس السرد العظيمة التي سبقتني، لكنني تلميذ مشاغب يحب تسلق الجدران والهروب من ضيق المدرسة. ويصعب عليّ في كثير من الأحيان تتبع المسار السردي الصارم الذي تفرضه مدارس السرد، ففي لحظة الكتابة لا أستطيع تحديد متى تبدأ الواقعية الانتقادية في كتاباتي ومتى تنتهي الواقعية السحرية. ومتى تبدأ الحقيقة ومتى يتجلى الخيال، ولا أستطيع معرفة أين تبدأ الكتب المقدسة وأين ينتهي رولان بارت ومؤلفه الميت. ولا اشغل نفسي بالفصل بين عزائم العرافين وأوفاق السحرة ونواح العجائز السومريات والمحاولات الأولى لاكتشاف حروف اللغة، وبين صوت همنغواي وبورخس وغونتر غراس ونجيب محفوظ. ولا اهتم لتماس مقامات الحريري وأدب ابن المقفع والجاحظ بمقولات ألكسندر باختين وجوليا كرستيفا وتودوروف أو آراء نقاد البنيوية، ولا أتوقف عند اصطدام ألف ليلة وليلة ونهج البلاغة بكانت أو ميشيل فوكو أو هابرماس اومالك بن نبي او على الوردي او غاستون بلاشار او جورج لوكاش. لفصل كل ذلك لا بد أن يأتي عامل الطين الذي يسكن رأسي ليقوم بدوره، سأعترف لك، أنا أحب تشكيل صلصال القصص أكثر من تلقي دروس السرد أو إعطائها، وأتعلّم من الطبخات المحترقة أكثر من وصفات كتب الطبخ، وأسعى دائماً لإنتاج مذاقي الخاص، ولا أريد أن أكون شيخ طريقة في رباط السرد، ولا مطراناً في أبرشية القصة القصيرة.

الموت المتكرر في النصوص، الحروب التي تتسرب من كل جملة، الخراب المتجدد … هل هو تسجيل لوقائع عراقية، أم بناء لعالم بديل يفضح الواقع بمرآته العجائبية؟

في الأدب هناك جانب توثيقي يحافظ على الذاكرة من التآكل ويحافظ على الضمير والمشاعر من التزييف، وهناك الكثير من الأعمال الإبداعية أصبحت وثائق إنسانية أكثر من كونها أعمالاً أدبية لأنها اهتمت بالجانب التسجيلي. لذلك أضع التسجيل كعنصر من عناصر العمل في مختبري القصصي، فانا ابنٌ للحظتي ولست خارجاً عنها، وأتعامل مع شخصيات قصصي ككائنات حية لها سيرة ذاتية وذاكرة وشعور بحركة الزمن. لا أنكر أني أسعى لمنح نصوصي بعداً يتعامل مع قارىء لم يولد بعد، وقارىء آخر خارج جغرافيا النص، اعتماداً على المشترك الإنساني، لكنني في النهاية لستُ مدون أحداث على طريقة محمد ابن جرير الطبري، فالواقع اليومي مليء بالكثير مما يستحق الكتابة عنه وتخييله وتفجير طاقته والحوار معه واستكناه عوالمه والغوص في تفاصيله اليومية وإدخاله الى فضاءات عجائبية. وفكرة بناء العالم البديل ليست وسيلة للعزلة بل أداة كشف وإدانة وتأسيس وإعادة تعريف.

حين يقرأك البعض يصف تجربتك بأنها ملحمة عراقية سوداء. هل تراها كذلك، أم أن السواد مجرد قناع لجماليات أخرى مخبوءة؟

أنا كاتب أتفاعل مع الحياة وتحولاتها، وربما قاد تراكم الأعمال القصصية لصناعة ما يشبه (الملحمة العراقية) التي تشبه ملاحم الشعوب الأخرى، لأن المناخ العراقي حاضر في اغلب تلك الأعمال. لِم لا. العراق يستحق أن تكون له ملحمته.

ومن الطبيعي أن تتسرب بعض السوداوية إلى ما أكتب، فقد رأيت ما تتركه الحروب في الأجساد والضمائر، ورأيت المقابر الجماعية، ورأيتُ ماذا تفعل الجنائز بأرواح الأمهات، ورأيت الجثث المجهولة الهوية، ورأيت اليُتم يخيم على الأرواح مثل كابوس ثقيل، ورأيت خيبات الأمل التي تعصر القلب، ورأيت كيف يتم السطو على الأحلام، ورأيت كيف تبدو الشخصيات القصصية خائفة وانفعالية، ووظيفة السرد تكمن في أن يلاحق ما تتركه تلك الحيوات من علامات في الروح.

لقد رأينا ما يفوق طاقتنا، فقد عاصرنا الدكتاتورية البغيضة، ورأينا الحروب والصواريخ والأشلاء الممزقة، ورأينا الجوع وذل الحاجة في الحصار، ورأينا الغربة والضياع، وسمعنا صراخ أولئك الذين تعرضوا للنشل في باص الوطن السائر في حقل الغام. ومرّت علينا دكاكين أفكار، وبازارات أديان، و(چنابر) مفاهيم، وبسطيات عقائد، وأسواق دين وسياسة وثقافة وإعلام تبيع بضاعة مغشوشة كما تباع الثياب المستعملة، ورأينا من يعبد أصنام السياسة، وديناصورات القصور، وخراتيت الثقافة، وانخدعنا بالأساليب التسويقية لباعة المخدرات اللفظية المستوردة، كنّا محاصرين بالحرب، والدكتاتورية، والإرهاب والاحتلال، وتجاهل الأخوة، وشماتة الأصدقاء، وفوق كل ذلك تعامل العالم معنا على أننا جميعاً كائنات تأكل البشر. لقد رأيت ابتعاد الجميع عن سردنا الطافح بالدم. صحفاً وفضائيات ومؤسسات، وتباعدهم عن سيل حكاياتنا المرُة خوف أن ننقل لهم وباء صراعات القرن الأول للهجرة. طوال تلك السنوات القاسية كنا لانكتب مجرد قصص وروايات وشعر ومسرح بل كنا نصرخ حتى انقطاع النفس.

أشعر أحياناً انني شاهد على كل تلك الخيبات والأوجاع التي مرت بهذا البلد الكريم الذي يستحق ما هو أفضل. هذه اللحظات التي تحدثت عنها في نصوصي لها أبطال اشعرُ انهم حقيقيون من لحم ودم، ولهم أسماء رباعية والقاب وأحلام مجهضة. هذه الحيوات الجريحة والأرواح الظامئة تظهر بشكل نصوص تختار لحظتها الخاصة وأزيائها الخاصة للظهور إلى العلن.

الكتابة مهنة صعبة، وموقف أخلاقيٌ من الحياة بالنسبة لي، ولا بد أن تترك معركتك مع الحياة بعض الخدوش والسواد في روحك وفيما تكتبه.

لكن. رغم كل الحزن والخيبات المحيطة بنا أنا لا اسمح لنفسي باليأس. فاليأس رفاهية بالنسبة للمثقف وصاحب الضمير، فلو يئس المثقفون ستصاب الأمة باليأس والوهن والغيبوبة. وهناك من يريدنا أن نيأس لـنلجأ له. يجب أن لا نيأس لأن الأمل ليس خياراً لنا، بل وظيفة بدوام كامل و(خدمة علم الزامية) و(واجب كفائي) وفريضة ومهنة نمتهنها في هذه الحياة، الأمل في وقتنا هذا يمثل عندي التزاماً أخلاقياً تجاه المجتمع، كي لا تنهار أرواح البشر الذين من حولنا. وكي لا نعتاد القبح ونفقد شعورنا بالجمال.

خبرتك الصحفية والإعلامية هائلة: 34 مؤسسة، آلاف الحلقات التلفزيونية، مقالات، وثائقيات. تقارير خبرية، برامج، كيف يمكن أن يخرج القاص من بين شاشات التلفاز إلى صفحات القصة من دون أن يضيع صوته الخاص؟

لقد دخلتُ إلى عالم الشاشة وأنا كاتب لي كتبي ومقالاتي، وكان لي حضور معقول في عالم الأدب أو في عالم الصحافة المكتوبة، ولم أجد تقاطعاً بين كتابة القصة القصيرة وتقديم البرامج السياسية أو الإشراف على الأخبار. فالعمل الإعلامي مِهنة مثل سائر المهن، لكن الكتابة الأدبية شغف الجأ اليه اذا شعرت بالوحشة، ولكل من الإعلام والأدب شروط وضوابط ومساحات اشتغال مختلفة. صحيح إنني باحث عن الخصوصية ومتمرد على تقاليد النص الأدبي، لكنني لا أسمح لنفسي أو لغيري بالتهاون مع شروط مهنة الصحافة وتقاليدها الرصينة.

لقد دخلتُ الإعلام من باب الأدب، مثل مئات الأدباء الذين عملوا كمحررين وكُتاب أعمدة طوال تاريخ الصحافة؛ من همنغواي وجورج اورويل وماركيز الى طه حسين والمازني والزيّات والعقّاد ومحمد مهدي الجواهري ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وغسان كنفاني وادونيس وأمين معلوف، وصولاً الى زملائنا الحاليين الذين يملأون المؤسسات الإعلامية. وقتها كنت أعيش خارج العراق وتنقلت بين عدد من الصحف والمجلات ووكالات الأنباء العربية، ثم قادتني الأقدار منتصف التسعينيات لأكون ضمن كوادر قنوات فضائية كبيرة في بدايات دخول الفضائيات الى العالم العربي. صرامةُ شروط مهنة الإعلام المرئي، وتوخيه الدقة والاستقلالية والموضوعية –وقتذاك- ونموذج الـ BBC الحازم الذي كان مهيمناً، واحترام قيم الصحافة، ونصائح إعلاميين عرب وأجانب كبار، والتدريب المهني العالي المستوى، أسبابٌ جعلتني أجيد الفصل بين كوني صحفياً وبين كوني أديباً، وجعلتني أفرق بين متطلبات العمل الصحفي وبين مشاعري ومواقفي كانسان عادي. غطيت نزاعات في آسيا وأفريقيا وأوربا، واستمعت الى مواقف سياسية متناقضة ومتغيرة في برامجي، وربما ساعدني مبدأ تعدد الآراء والمواقف حول نفس الموضوع أو (الرأي والرأي الآخر) -الذي كانت الفضائيات مغرمة به وقتها- في التخلص من الذاتية المفرطة التي تطغى على الكثير من النصوص الأدبية، فتحوّلَ النص الأدبي عندي في كثير من الأحيان من (حالة) الى (موضوع) ما أتاح لي فرصة اكتشاف أوجه مختلفة لشخصيات جديدة على صعيد الكتابة السردية، وأتاح لي التعرف عن كثب على فكرة عدم وجود قديس بمقابل الشيطان، بل ان القديس والشيطان يسكنان غرفة واحدة اسمها الكائن البشري. كما أظن أن العمل الإعلامي غرس حس المسؤولية الاجتماعية في نصي الأدبي، لأن الدفاع عن مصالح المجتمع وظيفة أساسية من وظائف الإعلام. كما أن الأدب ساهم في أنسنة العمل الإعلامي وجعل بوصلتي تميل أكثر الى الناس.

للأسف، تواجه قيم الصحافة والإعلام انحداراً كبيراً في زمننا هذا، في ظل غياب المهنية والحرفية والمسؤولية وغياب العقول الناضجة التي تدير الإعلام.

في كتابك 11 ليلة باليستية قرأت الخطاب الإعلامي كما لو كان نصًا سرديًا. هل ترى الإعلام نصًا موازيًا للأدب، أم أنه مجرد قناع آخر للسلطة؟

الإعلام ليس قناعاً للسلطة، بل هو السلطة عينها، الإعلام أكثر خطراً من الأدب بكثير لأنه يتعامل مع اليومي والراهن، ويتعامل مع فهم السلطة وحساباتها الآنية ويسوّقها للجمهور العام عبر وسائل متعددة، ويمكن أن يكون وسيلة لبناء المجتمعات ورفع مستوى وعيها وترميم ثقافتها وتعزيز شعورها بذاتها، كما يمكنه أن يكون أداة قتل وتحريض وعبث وفِرقة، لذلك تسعى السلطة -بأشكالها المتعددة- لامتلاكه والسيطرة عليه.

أما السرد بمعناه العام فهو أخطر مما نتخيل، فالإعلام سرد، والسياسة سرد، والتاريخ سرد، والقوانين سرد، والدين سرد، وذاكرة المجتمعات سرد، والإجابة على أسئلة الوجود سرد، والحق والعدالة والجمال تمثل وجه السرد الأكثر اقناعاً، وفي كل المعارك الكبرى النصر يكون حليف من يمتلك حق سرد الرواية الأخيرة. بل أن وجودنا على هذا الكوكب هو حكاية مثيرة لها بداية وعقدة ولحظة تنوير ونهاية. مثل القصص القصيرة.

مشكلتنا في الشرق الأوسط هي غياب التوثيق والاستهانة بخطورة السرد، فالمسلمون مثلاً بدأوا بتدوين السيرة النبوية بعد حوالي قرنين من ظهور الإسلام، خلال هذين القرنين كان الاجتماع والسياسة قد وضعا ألغام التاريخ التي انتشرت ومازالت تنفجر حتى الآن.

غياب التوثيق وغياب السردية الواضحة مشكلة لها تأثير كبير في مجتمعنا العراقي، فنحن مجتمعات تتحرك بذاكرة غائمة، لا تمتلك سردية مُحكمة؛ خذ ثورة العشرين مثلاً؛ نحن لا نعرف أسماء حوالي عشرة آلاف شهيد قتلوا فيها، ولا نمتلك عنها سوى إطار عام وبعض الوثائق المتناثرة و(هوسة) تقول: (الطوب أحسن لو مكواري؟). لذلك نختلف حولها كل عام رغم مرور أكثر من مئة سنة على انطلاقها، دون أن نمتلك الجرأة على اتخاذ موقف منها ولا الإجابة على السؤال العالق في الزمن: إيهما أفضل (الطوب) أم (المگوار)؟ كذلك لم نحسم أمرنا من سجال المَلكية والجمهورية رغم مرور أكثر من ستة عقود على قيام الجمهورية. وما زلنا نستدعي ذلك السجال الذي لا معنى له كل عام. ويمكن أن ينسحب هذا الكلام على الموقف من الدكتاتورية، والحرب، والفساد، والإرهاب، والديمقراطية. وسقوط الموصل، والانتخابات... الخ. ما يخلق سلسلة من السرديات المشوهة المهيأة للتحول الى متفجرات.

كل ذلك عائد في تقديري لعجز المثقف عن امتلاك الموقف الأخلاقي المبني على الوثيقة والحقائق، وعدم جرأته في الإدانة أو القبول، لذلك تبقى النهايات سائبة وعرضة للاستدعاء في أي وقت، وهذا يعني إننا نصنع طوال تاريخنا قنابل ثقافية وأسئلة ملغمة مفتوحة ونتركها في العراء، دون أن نعي أن التخلص من تلك الألغام هو استحقاق ثقافي من استحقاقات الدولة المعاصرة.

كتاب 11 ليلة باليستية الذي صدر مؤخراً هو محاولة لتوثيق الخطاب الإعلامي الذي رافق حرب الخليج الخامسة، وشمل رصداً لمواقف دول المنطقة والعالم من تلك الحرب، كما شمل تحليلاً لسرديات دولية مختلفة لها انعكاسات معينة على واقعنا العراقي شئنا أم أبينا. وهناك مشروع لتوثيق عدد من المنعطفات الحساسة التي عاصرتُها شخصياً وكنت شاهد عيان عليها، اعمل عليها كلما تيسر الوقت، وسأتركها كوثائق للتاريخ.

الجوائز الأدبية التي حصلت عليها كثيرة، لكن أي جائزة منحتك إحساسًا بأن صوتك وصل أبعد من العراق؟

تمت قراءة نصوصي عربياً قبل أن تتم قراءتي في العراق، وطبع أول كتبي خارج العراق، وكان لكتبي التالية طبعات خارج العراق كما طبعت مجموعتي القصصية (وطن عيار 7.6 ملم) ثماني طبعات رسمية في خمس عواصم. هذا غير الطبعات المقرصنة، وأغلب كتبي حصلت على جوائز محلية وعربية مرموقة. وهذا ما دفع الناقد فاضل ثامر ليطلق علي بكرم لقب (حاصد الجوائز) وكرّس أصدقاء آخرون هذا اللقب بكتاباتهم، وتم تداول هذا اللقب كثيراً في الوسط الثقافي حتى صار يرافقني كثيراً في الفعاليات الأدبية. رغم إنني لا أحب أن ينظر إلى أدبي من زاوية الجوائز الأدبية فقط. إلا أني انظر لتك الجوائز على أنها نتيجة لمشروع سردي وعمل جادٍ مضنٍ يؤتي ثماره في بعض الأحيان.

لكن الجائزة الأكبر هي تواصل قراء لا أعرفهم يبدون إعجابهم بأحد النصوص، ولا أنسى ذلك الاتصال الهاتفي الذي وردني من شخص لا أعرفه عثر على أحد كتبي في أحد المطارات، وقرأه في الطائرة، وحين وصل إلى مقصده في النرويج، بحث عن رقم هاتفي واتصل بي وهو يبكي لأن احدى القصص لامست شيئاً في داخله. أو تلك الشابة الصغيرة التي كانت تسابقني وتردد اقتباسات لا أتذكرها من قصصي، في إحدى الندوات الثقافية، وتصحح لي أخطاء ذاكرتي إذا تحدثتُ عن نص أقول مثلاً انه في المجموعة الفلانية فتقول: لا، إنه في المجموعة الفلانية، أو ذلك القارىء الذي يأتي من مدينة بعيدة ليستمع اليك. تفرحني مثل هذه الجوائز، وقد يكون من بينها صدور أعمالي الكاملة وأنا حي.

هل الجوائز تُنصف النص فعلًا، أم أنها تنصف اللحظة الثقافية وتترك النص يواجه مصيره وحيدًا؟

أنا أرى أن الجوائز هي وسيلة دعائية للنص، تكفل له بعض الانتشار، وهي حالة تُعَد جزءا من صناعة النشر، فهي تحفز الكاتب، وترشد القارىء، وتنمي سوق الكتاب. والجوائز الرصينة ضرورية في وقتنا الحالي، فقد ذهب الزمن الذي كان فيه الجواهري يقرأ قصيدته في تظاهرة فيحفظها الناس عنه ويرددونها عن ظهر قلب، وذهب الزمن الذي كان فيه بدر شاكر السيّاب ينشر قصائده في القاهرة او بيروت فيلفت انتباه جميع الشعراء العرب إلى موهبته الفريدة، وذهب الزمن الذي ينشر فيه محمد خضير قصته (الأرجوحة) مجلة الآداب فيصير حديث محبي القصة القصيرة في العالم العربي ويصبح أيقونة من أيقوناتها. الزمن تغير ولم يعد ما ينشر في الصحف والمجلات لافتاً للانتباه، وصار على الكاتب أن يبذل الكثير من الجهد ليعلن عن وجوده في هذا العالم المتشابك.

الجوائز صارت تدعم تجربة الكاتب بدرجة ما وتسلط عليه الضوء، وكُلنا نتذكر كيف تنبه العالم إلى الأدب الذي يكتبه أدباء من العالم الثالث بعد نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل. ما ساهم في تسويق الأدب العربي عالمياً. وعلى الصعيد العراقي أنا اعرف كثيرين لم يقرأوا لروائي جاد كأحمد سعداوي حتى فاز بجائزة البوكر العربية، وهناك من تعرّف على الرواية العراقية من خلال سعداوي. رغم كل ذلك عليّ أن اعترف بأن الجوائز تكون في بعض الأحيان عبئاً على النص، وعلى الكاتب أيضا.

في زمن تهيمن عليه الرواية والوسائط الرقمية، أين تجد القصة القصيرة مكانها، وكيف ستنقذ نفسها من التلاشي؟

فن القصة القصيرة هو الكاميرا الأدبية الساردة التي تلتقط تفاعلات الحياة المختلفة وتشحنها بالخيال. ولن يموت هذا النوع من السرد مادامت هناك حكاية تتحرك في أحشائه.

لكن طبيعة كتابة القصة القصيرة تفرض نوعاً من التأني في التعاطي مع النص، فهي تحتاج لتأمل عميق، وتنوع في الإيقاع، وتكثيف حاذق، وقراءة متأملة فاحصة، أعتقد أن كتّاب القصة القصيرة مسؤولون عن تضاؤل ذلك الوهج، القصة الجيدة والمثيرة للخيال تستطيع أن تفرض نفسها عبر البحث عن موضوعات جديدة، ومناطق اشتغال جديدة، وطرق تناول مختلفة.

النص القصصي المعاصر أصبح مُختزلاً وخالياً من الطاقة الإبداعية وصار مثل برقية تتماشى مع الوسائط الرقمية.

في نفس الوقت أصبح كتّاب القصة القصيرة مثل قبيلة مهددة بالانقراض بعد هجرة الكثير منهم الى الرواية وأضوائها، رغم ان الكثير مما يصدر الآن تحت مسمى رواية هو عبارة عن قصص قصيرة جرى مَطّها وجر أطرافها وحقنها بالبوتكس اللفظي، فترهلت وفقدت جمال ورشاقة القصة، وفي نفس الوقت لم تصبح رواية. وقد لاحظت أن الكثير من كتاب القصة القصيرة الذين هرولوا إلى الرواية، خسرتهم القصة القصيرة ولم ينجحوا كروائيين.

لو مُنحت فرصة كتابة نصّ للعراق نفسه، نصّ يقرأه أبناؤه بعد خمسين عامًا، ماذا ستقول؟

الصورة واضحة بالنسبة لي، وأنا أعرف شكل العراق بعد خمسين سنة، وأعرف ما الذي يمكن أن يقال للجيل القادم. سأقول: لقد نجحنا بأن ننجو، حاولوا أن تكونوا أفضل، فدائماً هناك أمل. أنا أثق كثيراً بالعراق، وبقدرته على التجاوز، وحينما أقرأ التاريخ أجد ان هذه الأرض تعرضت للكثير من المحن والصعاب، لكن إنسانها نجا في النهاية واستمر محافظا على روحه وخصوصيته وحبه للحياة. لا أنظر للعراق باعتباره جغرافيا أو كيانا سياسيا فقط وإنما باعتباره هوية وانتماء وثقافة وتأثيراً في المحيط والعالم. العراق الذي نغضب منه أحياناً ونزعل عليه ثم نعود للبكاء بين أحضانه هو بلد عظيم كان بوصلة للحضارة الإنسانية تمكن من تجاوز الكثير من التحديات بفضل سعي أبنائه لتحقيق الحرية والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية. كل ما نحتاج إليه هو ترتيب أولوياتنا، والعثور على أنفسنا، وعلى السِكة التي يسير عليها قطارنا القادر على نقلنا إلى محطة أخرى. وهذه مهمات ثقافية قبل كل شيء.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٥ تموز ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٤ م