انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الكاتب والباحث المصري حسام الحداد: بقاء أيّ مجتمع مرتبط بقدرته على إنتاج عقولٍ تفكّر لا عقولٍ تكرّر

يرى أنّ التعليم في العالم العربي يحتاج إلى إرادةٍ سياسيةٍ واضحة

محمد القذافي مسعود
محمد القذافي مسعود
·11 دقائق للقراءة
3 مشاهدة
الكاتب والباحث المصري حسام الحداد: بقاء أيّ مجتمع مرتبط بقدرته على إنتاج عقولٍ تفكّر لا عقولٍ تكرّر
الكاتب والباحث المصري حسام الحداد
مشاركة:

حسام الحداد رئيس قسم الإسلام السياسي بـ(البوابة نيوز) بجانب كتاباته في عدد من الصحف المصرية له عدد من العناوين المهمة في عالم الدراسات السياسية والاجتماعية وخاصة في مجال الإسلام السياسي حيث يعد من أهم وأنشط الكتاب والباحثين في شؤون الإسلام السياسي حضوراً، كما صدرت له مجموعة من الكتب في الإسلام السياسي ومواضيع فكرية مختلفة منها "الإمام علي وأصول الحكم"، و"روح الحضارة"، و "موسوعة أمراء الإرهاب".

الإرهاب لم يعد مجرّد ظاهرة أمنية بل نتيجة مركّبة لأزماتٍ سياسية واجتماعية ودينية ممتدّة
بقاء أيّ مجتمع اليوم مرتبطٌ مباشرةً بقدرته على إنتاج عقولٍ تفكّر لا عقولٍ تكرّر

من مؤلّفات حسام الحداد

رغم تجفيف منابع الإرهاب إلا أنَّه ما زال يولد ويتكاثر في العالم العربي والعالم فما هي الأسباب ؟

برأيي، لا يمكن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني فقط؛ فالتجفيف الذي جرى خلال العقدين الماضيين ركّز بدرجة كبيرة على المواجهة العسكرية، لكنه لم يمسّ الجذور العميقة التي تغذّي التطرف. الإرهاب ليس مجرد خلايا أو جماعات، بل هو بيئة كاملة تنتجه، ولهذا يستمر في الظهور كلما ظلت هذه البيئة قائمة.

يمكن تلخيص أبرز الأسباب في الآتي:

حين يشعر الفرد بأنَّ الدولة لا تمثّله، أو أنها عاجزة عن توفير أبسط حقوقه، يصبح أكثر استعداداً لتصديق الخطاب المتطرف الذي يَعِده بالكرامة والنقاء والعدالة "البديلة".

الفقر، البطالة، وتراجع الخدمات يخلقون حالة من الغضب والإحباط. التنظيمات المسلحة تجيد استثمار هذه المشاعر، فتقدّم نفسها كملاذ أو كوسيلة "للانتقام".

لا تزال هناك فجوة واسعة بين المؤسسات الدينية وخطاب العصر. هذا الفراغ تملؤه التيارات المتطرفة التي تقدم خطاباً مبسطاً، حاداً، لكنه ـ بالنسبة للبعض ـ يبدو أكثر وضوحاً وإقناعاً.

في عدة دول عربية، تتداخل السلطة بالدين بطريقة تجعل الجماعات المتطرفة تدّعي أنها تحمل "النسخة الأصيلة" من الخطاب الديني، مقابل النسخة الرسمية. هذا الصراع يخلق مساحةً خصبةً لصعود التطرف.

فالعراق، وسوريا، واليمن، وليبيا… هذه البيئات المنفلتة تحولت إلى معامل لإنتاج الإرهاب وإعادة تدويره. فكلما سقطت دولة، توسّعت حركة الجماعات المتطرفة وتجدّدت.

حتى مع تجفيف التمويل التقليدي، الإنترنت بات يمكّن الجماعات من التجنيد، ونشر دعايتها، وبناء شبكات عبر الحدود دون كلفة تُذكر. الإرهاب انتقل من "التنظيم" إلى "الفكرة المتنقلة".

فشل النخب السياسية في تقديم حلول حقيقية جعل بعض الشباب يرى في الجماعات المتطرفة نموذجاً "منظماً" أو "حازماً"، مهما كانت خطورته، مقابل دول تعاني الترهل والبيروقراطية.

في النهاية، الإرهاب لم يعد مجرد ظاهرة أمنية، بل نتيجة مركبة لأزمات سياسية واجتماعية ودينية ممتدة. ومن دون إصلاح جذري للمجتمعات العربية، سيظل الإرهاب قادراً على توليد نفسه بأشكال مختلفة، حتى لو تغيرت الأسماء واللافتات.

تركيزك في البحث والتحليل على جماعة الإخوان المسلمين المصرية هل لأنَّها الأخطر أم لخصوصيتها كحالة مصرية ؟

التركيز على جماعة الإخوان المسلمين المصرية لا يرتبط باعتبارها "الأخطر" بقدر ما يرتبط بطبيعة التجربة نفسها. فالحالة المصرية تمثل النموذج الأم الذي خرجت منه معظم الحركات الإسلامية الحزبية في المنطقة، ومن ثمَّ فإنَّ فهمها يتيح قراءة أوسع لمسارات الإسلام السياسي في العالم العربي ككل. هذا الامتداد الإقليمي ـ والفكري قبل التنظيمي ـ يجعل دراسة الإخوان في مصر مدخلاً لفهم بنية التيار وأدواته وتحوّلاته.

إلى جانب ذلك، خصوصية السياق المصري لعبت دوراً أساسياً. فمصر كانت دائماً مختبراً سياسياً واجتماعياً للفكرة الإخوانية: شهدت مراحل التمكين المحدود، ثم الصدام، ثم الوصول إلى الحكم، ثم السقوط، ثم محاولات التكيّف وإعادة التموضع. هذا التنوع في الخبرة التاريخية يمنح الباحث مساحة نادرة لدراسة ديناميات الحركة من الداخل ومن الخارج في آن واحد، وهو ما لا يتوافر بالقدر نفسه في معظم حالات الإسلام السياسي الأخرى.

كما أنَّ تأثير الإخوان المصرية على المجال العام كان واسعاً وممتداً لسنوات طويلة، سواء عبر شبكاتها الاجتماعية أو خطابها السياسي أو حضورها داخل المؤسسات. هذا العمق المجتمعي أتاح تراكم بيانات وخبرات تحليلية تجعلها حالةً غنيةِ وقابلةً للفحص العلمي. لذلك، فإنَّ التركيز عليها ليس انحيازاً ضدها ولا تضخيماً لخطورتها، بل لأنَّ فهمها بدقة يفتح الطريق لفهم بقية حركات الإسلام السياسي التي استلهمتها أو تطورت عنها.

هل يمكن أن تتحول الهزيمة الخاصة للإنسان إلى حقد وكره ضد محيطه وبالتالي يتحول إلى إرهابي ؟

نعم، هذا الاحتمال قائم، لأنَّ التجربة الشخصية للهزيمة النفسية يمكن أن تتحول لدى بعض الأفراد إلى شعور عميق بالظلم والرغبة في الانتقام. الإنسان حين يشعر أنَّ العالم خذله، أو أنَّ محيطه تجاهله أو قلّل من قيمته، قد يدخل في حالة من الانغلاق النفسي تجعله يبحث عن معنى بديل يمنحه الشعور بالقوة المفقودة. هنا يظهر خطاب التنظيمات المتطرفة كملاذ، لأنه يقدّم تفسيراً مبسطاً للهزيمة ويحوّلها إلى "رسالة" أو "قضية".

في كثير من الحالات، يتطور الإحباط إلى عداء تجاه المجتمع بأكمله. هذا العداء لا ينشأ فجأة، بل عبر سلسلة من التجارب التراكمية: فشل اجتماعي، انهيار علاقة، إحساس بالعجز، أو إحباط اقتصادي. عندما لا يجد الفرد دعماً نفسياً أو شبكة صحية تعيد دمجه، يصبح أكثر قابلية للانجذاب إلى خطاب يعتبر المجتمع فاسداً ويبرر العنف ضده.كذلك، توفر الجماعات الإرهابية بيئةً تمنح الفرد شعوراً بالانتماء والتفوق الأخلاقي، وهي مشاعر تعوض الهزيمة الداخلية. يتحول الغضب الشخصي إلى كراهية مؤدلجة، وتُعاد صياغة الأزمة الذاتية في شكل مشروع "جهاد" أو "انتقام مقدس". وهنا تتداخل الصدمة النفسية مع التحريض الفكري، فتنتج شخصية مستعدة للعنف باعتباره الخلاص الوحيد.لذلك، فإنَّ الهزيمة الخاصة ليست مجرد حدث عابر في حياة الإنسان؛ بل هي نقطة مفصلية يمكن أن تُعالَج فتنقذه، أو تُهمَل فتدفعه إلى مسار أكثر تطرفاً.

كيف نقاوم الاستراتيجية التي تتبعها الجماعات المتطرفة للسيطرة على العقول، ومن أين نبدأ؟

مقاومة الاستراتيجية التي تعتمدها الجماعات المتطرفة للسيطرة على العقول تتطلب أولاً فهم آليات عملها. هذه الجماعات لا تبدأ بالعنف، بل تبدأ بصناعة تصور ذهني للعالم قائم على ثنائية حادة: نحن مقابل هم، الحق المطلق مقابل الباطل المطلق. تفكيك هذا البناء يبدأ بتعليم الناس التفكير النقدي، أي القدرة على التساؤل وعدم قبول أي خطاب جاهز مهما بدا أخلاقياً أو دينياً. حين يصبح الفرد قادراً على تقييم المعلومة قبل تصديقها، يفقد خطاب التطرف أهم أدواته: الوصاية الفكرية.

الخطوة الثانية هي إعادة الاعتبار للفضاء العام الآمن، حيث يشعر الشباب أنَّهم جزء من المجتمع وليسوا خارجه. البيئة المنغلقة هي التي تسمح للجماعات المتطرفة بالتغلغل؛ أما مجتمع يحترم التنوع ويتيح التعبير ويستمع للغاضبين قبل أن يستغلهم أحد، فهو مجتمع يصعب اختراقه. بناء هذه البيئة يحتاج إلى دور أكبر للمدرسة والجامعة والإعلام، بحيث تتحول من مؤسسات تلقين إلى منصات نقاش وتفاعل.كما أنَّ تعزيز الحضور الرقمي للمحتوى العقلاني والإنساني أصبح ضرورياً. الجماعات المتطرفة نجحت لأنَّها احتلت الفضاء الرقمي لسنوات دون منافسة حقيقية. المطلوب ليس فقط الرد على خطابهم، بل تقديم رواية بديلة جذابة، قريبة من لغة الشباب، تقدم معنىً وأملاً، لا مجرد تحذيرات وشعارات عامة. العقل لا يُترك فارغاً إنْ لم نملأه نحن بالمعرفة، سيملؤه آخرون بالوهم.وأخيراً، البداية الحقيقية تكون من الإنسان نفسه: من احتياجاته، ومشكلاته، ونقاط ضعفه. كل مشروع لمكافحة التطرف يتجاهل أن التطرف يبدأ من جرح شخصي أو فراغ معنوي، سيفشل مهما كان ضخماً. علينا أن نبدأ من هناك، من توفير الدعم النفسي، وفتح مساحات الحوار، وتعليم مهارات الحياة، وإعادة بناء الثقة بين الفرد ومجتمعه. حين يشعر الإنسان أنه مُحتضن، يصبح أقل قابلية للوقوع في أسر أي خطاب يحاول سرقة عقله.

كتبتَ عن المناهج الدراسية الاخوانية داخل مؤسسة الأزهر وتساءلتَ " ولم يقف الأمر على المناهج التعليمية بل ذهبت عناصر الجماعة بالتسلل إلى مواقع قيادية مهمة تتيح لهم السيطرة على مفاصل الفكر والتعليم " هل تجذر هذا الفكر في المؤسسات الأخرى والمجتمع المصري أم أنَّه كان مؤقتاً ؟

تجذر هذا الفكر في المؤسسات والمجتمع لم يكن حدثاً عابراً، لكنه أيضاً لم يصل إلى حد الهيمنة الكاملة. ما حدث كان مزيجاً من التغلغل العميق في بعض المجالات، مقابل حضور عابر أو هش في مجالات أخرى. فالإخوان اعتمدوا تاريخياً على استراتيجية التراكم البطيء داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً تلك التي تتعامل مع التعليم والخطاب الديني والتأثير المجتمعي. هذا التغلغل لم يكن نتيجة فترة قصيرة، بل نتيجة عقود من العمل الصامت والمنهجي، مما جعل بعض الأفكار تستقر في الوعي العام حتى دون وجود مباشر للتنظيم.

في المقابل، طبيعة المجتمع المصري نفسها حدّت من قدرة هذا الفكر على التحول إلى ثقافة عامة راسخة. فالمجتمع متعدد، وفيه تيارات دينية وثقافية متباينة، كما أنَّ الدولة كانت تتدخل في اللحظة التي تشعر فيها بأنَّ نفوذ الجماعة يقترب من تشكيل بديل موازٍ. لذلك، ما تجذر فعلاً كان الخطاب المحافظ ذو الطابع الوعظي، وليس بالضرورة الفكر الإخواني التنظيمي الصارم. الوعي الجمعي تأثر، لكنه لم يتحول إلى ذراع فكرية للجماعة.أما المؤسسات، فكانت أكثر قابلية للاختراق بحكم طبيعة البيروقراطية واتساعها. بعض المؤسسات احتضنت خطاباً قريباً من توجه الإخوان، سواء بسبب وجود عناصر داخلها أو بسبب غياب رؤية فكرية واضحة من جانب الدولة في فترات معينة. ومع ذلك، فإنَّ هذا التأثير كان يتراجع بشكل واضح كلما تغيّر السياق السياسي وازدادت الرقابة على البنية الإدارية، مما يكشف أنَّ التجذر لم يكن مؤسسياً بقدر ما كان مرتبطاً بأشخاص ومواقع محددة.

في النهاية، يمكن القول : إنَّ الفكر الإخواني لم يختفِ تماماً، ولم يتحول أيضاً إلى جزء ثابت من بنية الدولة أو المجتمع. ما بقي منه هو تأثير ثقافي ونفسي ورمزي، أما النفوذ التنظيمي العميق فقد تراجع كثيراً بعد 2013. لكن أثر العقود الطويلة ما زال ظاهراً في بعض الخطابات والسلوكيات، ما يتطلب عملاً فكرياً طويل الأمد لتفكيكه وإعادة بناء وعي ديني ومدني أكثر توازناً.

ما صحة القول "إنَّ الإرهاب يضرب دائماً الدول التي أخرجت أعظم الحضارات وهذه البلدان غالبا تصبح قبلة الجهاديين والمتطرفين من حول العالم والسبب الرئيسي يعود لسعي نهج مهندسو تنشيط الإرهاب الدولي تدمير تاريخ شعوب هذه الجغرافيات المتنوعة مجتمعاتها دينياً عرقياً قومياً :كردستان، سوريا، العراق، اليمن، أفغانستان، لبنان، ليبيا " ؟

هذا القول يعبّر عن شعور شائع، لكنه يحتاج إلى قدر من التفكيك العلمي حتى لا يتحول إلى تفسير مبسّط لظاهرة معقدة مثل الإرهاب. من الصحيح أنَّ كثيراً من البلدان التي تعرضت لموجات عنف وتطرف هي بالفعل مناطق ذات تاريخ حضاري عميق. لكن الربط الحتمي بين “عظمة الحضارات القديمة” و“استهداف الإرهاب المعاصر” لا يقوم على أساس علمي مباشر، بقدر ما يعكس تداخل عوامل سياسية وجغرافية واجتماعية لعبت دوراً أكبر.

في كثير من هذه الدول، كانت نقاط الضعف الداخلية هي المدخل الحقيقي، لا قوتها الحضارية. دول مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا واجهت انهياراً مؤسسياً، صراعات طائفية وعرقية، وتدخلات إقليمية ودولية، إضافة إلى فراغات أمنية واسعة. هذه الفراغات هي التي جذبت الجماعات الجهادية، لأنها تقدم لها بيئة مثالية للتمدد، بصرف النظر عن الإرث الحضاري للدولة. الجماعات المتطرفة لا تبحث عن “عظمة التاريخ”، بل عن “فجوات السلطة”.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أنَّ الإرث الحضاري يعطي هذه المناطق أحياناً قيمة رمزية في خطاب الجماعات الإرهابية. فهي تسعى إلى تدمير رموز التاريخ لأنها ترى فيها نقيضاً لمشروعها العقائدي، وتسعى إلى إعادة تشكيل الهوية المحلية وفق رؤية أحادية. في العراق وسوريا تحديداً، استهداف المتاحف والمدن الأثرية كان جزءاً من محاولة محو الذاكرة التاريخية واستبدالها بهوية جهادية مغلقة. لكنَّ هذا السلوك تم توظيفه لأغراض سياسية ودعائية، وليس لأنه مرتبط مباشرة بـ"عظمة الحضارة".

أما القول بوجود “مهندسين دوليين” ينشّطون الإرهاب بهدف تدمير تاريخ الشعوب، فهو يضم جزءاً صحيحاً وجزءاً يحتاج إلى الحذر. نعم، الإرهاب يُستغل دولياً، وهناك قوى استخدمت الجماعات المسلحة كورقة نفوذ أو وسيلة لخلخلة استقرار خصومها. لكن تحويل هذا الواقع إلى استراتيجية واحدة شاملة موجهة ضد الحضارات التاريخية تحديداً قد يجرّنا إلى الإعمام . الحقيقة أكثر تعقيداً: الإرهاب ينمو حيث تتقاطع مصالح قوى دولية مع انهيار داخلي، وحيث تجد الجماعات مساحة للعمل أكثر مما تجد حضارة للتدمير.في المحصلة، يمكن القول : إنَّ هذه الدول ليست مستهدفة بسبب أنها “مهد حضارات”، بل لأنها أصبحت ـ بفعل عوامل الانقسام والفراغ السياسي ـ ساحات مكشوفة يسهل فيها الاستثمار في العنف. أما تدمير الإرث الحضاري، فهو نتيجة جانبية لمشروع التطرف، لا سبباً رئيسياً لوجوده.

هل نحتاج إلى إصلاح التعليم أو تغيير العملية التعليمية كلها في العالم العربي ؟

في رأيي، السؤال لم يعد يتعلق بإصلاح التعليم فقط، بل بمراجعة الفلسفة الكاملة التي تقوم عليها العملية التعليمية في العالم العربي. فالإصلاح الجزئي أثبت، خلال عقود، أنه غير قادر على تغيير النتائج، لأنَّ المشكلة ليست في المناهج وحدها، بل في البنية الذهنية التي صُممت من أجلها هذه المناهج وفي الطريقة التي تُدار بها المدرسة والجامعة. التعليم في كثير من دولنا ما زال يقوم على التلقين، والخوف من الخطأ، وإنتاج نسخ متشابهة من الطلاب، لا أفراداً قادرين على التفكير والتحليل والابتكار.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن “تغيير العملية التعليمية كلها” بمعنى الهدم الكامل؛ فالتغيير الجذري لا يعني إلغاء كل شيء، بل إعادة بناء ما هو صالح والبناء عليه. المطلوب هو نقل التعليم من كونه منظومة اختبارية وانضباطية إلى منظومة معرفية وحياتية. هذا يتطلب تحديث المناهج، وتطوير طرق التدريس، وإعادة تأهيل المعلمين، وربط المدرسة بالعالم الحقيقي، لا بعالم نظري منفصل عن تحديات العصر.التعليم العربي يحتاج إلى ثورةٍ هادئةٍ، لا صدمة، لكنه يحتاج إلى إرادةٍ سياسيةٍ واضحةٍ. تغيير الفلسفة التعليمية يعني أن نضع التفكير النقدي فوق الحفظ، أن نجعل الطالب مشاركاً لا متلقياً، وأن نربط العلم بسوق العمل، والهوية بالتنوع، والدين بالإنسانية، لا بالانغلاق. حين نمتلك تصوراً جديداً لدور المدرسة في تشكيل المواطن، يمكن عندها أن يصبح الإصلاح الحقيقي ممكناً.

باختصار: نعم نحن بحاجة إلى إصلاح، لكن ليس بالشكل التقليدي الذي يُرقّع القديم، بل بإعادة تصميم العملية التعليمية لتناسب القرن الحادي والعشرين. التعليم لم يعد وظيفة اجتماعية فقط، بل مشروع أمن قومي، وبقاء أي مجتمع اليوم مرتبط مباشرة بقدرته على إنتاج عقول تفكر، لا عقول تكرر.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٧ تموز ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٨ م

مقالات ذات صلة

أجيال
شعر

أجيال

جيل ما قبل نضوج شهوة الحروبِ، اِلتقطوا الأيديولوجية بملاعقَ ذهبيةٍ . تمرّدوا على مزاجِ المدن السّائلة، وداعبوا الرّبيع في غيرِ أوانه، لم تشغلهم مكابداتُ (الأخضر بن يوسف )* عن سلب( ثياب الإمبراطور )** فمن أين ينفذُ الضّوءُ و ( مملكتهم سوداء )***؟ هل القصائدُ…

· 2 د
الولد الذي أضاء المدينة
سرد

الولد الذي أضاء المدينة

قصة قصيرة. صباح بحلو حضوره وفتنته الرائعة، يهبط على مدينة الينابيع في ثوبٍ من نورٍ رقيق، بهدوء رائق تغتسل الأشجار بندى الفجر، وتفتح الأزهار أعينها نحو الشمس، وتغرد العصافير فوق السطوح كأنها تعزف لحنًا لا يسمعه إلا من بقي قلبه طفلًا. المدينة جميلة…جميلة إلى…

· 4 د
اكتب المسرّات على ورقةٍ ناعمة وتطير مشبعةً بالزّعل
شعر

اكتب المسرّات على ورقةٍ ناعمة وتطير مشبعةً بالزّعل

تعالي نصنع الحزن مثل " علكة " ونمضغه بعنف حتى لايغفو مستقرا ، تعالي نلم ثوبك الطويل ونكتب عليه البقاء للحب المسكون بالرفرفة ، معا نصنع غيمة ، نضعها على وجه الوطن عسى أن ينعم بالهدوء نغني لقرارة النهر ، نلوذ به ، نرميه بحصى عندما نخشاة ، نحفظ دموعنا ليوم اخر…

· 1 د