انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

إنزياح الظلام

اياد خضير
اياد خضير

قاص عراقي.

2 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
إنزياح الظلام
مشاركة:

على عادته، يفتح صديقي خالد باب السيارة ويغوص في جوفها ويستقر في المقعد الأمامي.. قال:

- ثمة سؤال شرس، بل كئيب، يدق أعماقي بعنف وحشي.. السؤال يبرز في خطوطه العريضة: ما هي الحياة؟! إنها حقاً حيرة عميقة تفتت دواخلي.

يقال إن الحياة فيض من أوهام انحدر من أزل غامض إلى أبد لا نهاية لغموضه.. وليست اللذة في كشف الأشياء الواضحة، وإنما هي في بحث الأسرار الجاثمة والتوصل إلى التأثير السائغ والنتيجة البارعة.

يقال إن الوظيفة تكبل الإنسان بقيود ثقيلة وهي محاولة للنيل من حريته وسجن مؤبد يغلف الإنسان بالروتين ويقتل فيه روح المبادرة والإبداع.. ورأي آخر يقول إن الوظيفة مجال للإبداع وطريق لكسب المعرفة والصداقة وأداء شيء نافع.

أما أنا فأقول: إن الوظيفة حاجة لا ترف، وقد تكون ترفاً مكتظاً بالمباهج، ولكني لم أوفق إلى شيء من ذلك، فهي عندي ضرورة لا لذة. ولما دفعتني الحاجة إليها، شعرت بانحدار يمض النفس ويضعف الحواس، فكنت في حاجتي إليها شبيهاً بمن يسكن إلى السرطان المزمن تهرباً من الحمى العارضة.

لست متوهماً يتخذ من خيوط الشمس حبالاً يتمسك بها وهو معصوب العينين، فقد بلغت خريف العمر من حياة مليئة بالأوجاع والآلام، ومتى بلغت الحياة الفناء فهي لا تتسع لضلالات النفس.

قد يحترق الشيء فيستحيل رماداً، ولكن الشمعة تذوب أولاً ثم يتجمع الذي ذاب فيها فيتجمد ثم يذوب ثانية، وما يضيع منها إنما هي الذبالة، وما الذبالة إلا من بعض الأقطان الرخيصة.

لم يكن صديقي خالد موفقاً في وظيفته، فالأحاسيس تزدحم في دماغه يتخللها السأم والكآبة بسبب العداء من مسؤوله الإداري الذي ركنه في عمل ممل. رمقني بعينين فاقعتين من شدة التعب.

قلت والألم يعصر قلبي:

- إن الحياة على ما فيها من محن وأكدار ليست هينة لا تستحق العناية والولاء. وحتى الذي فقد الأمل والرجاء منها، يتردد في عبور قنطرة آيلة للسقوط، ولكن الركض مع العاصفة خير من الارتعاش منها. والذي يجوب الصحراء قد يضل الطريق وقد يخدع بالسراب، فالخطأ والصواب لا بد منهما في الحياة، إنما الزلة شيء والعثرة شيء آخر. والذين يعرفون لا يتكلمون، والذين يتكلمون لا يعرفون، وليس من الحكمة أن يفضح الإنسان أسراره لا سيما في ظرف بلغت فيه مزاعم الزاعمين حد الإسفاف.

وفي اليوم التالي.. كان يوماً مشرقاً.

نظرت إلى خالد والابتسامة لا تفارقه، صفا الصوت في بلعومه. شيء ما في داخلي يوحي برحيل مسؤوله الإداري المقيت.. فأحسست بانزياح الظلام وسيطرة النور على حياتنا الجديدة.

مشاركة:
اياد خضير
اياد خضير

قاص عراقي.

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:١٨ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د