كانت الغابةُ تمشي على أطرافِ مخالبِها كفكرةٍ هاربةٍ تأبى أن تُعتقل، لكنها في الوقتِ نفسه تمارسُ عليكَ الاعتقالَ الأكثرَ فتكًا:
اعتقالُ التحديق. لم تكن جغرافيتُها مشتقةً من أشجارٍ وطبيعةٍ بكر، بل كانت من ترسباتِ حدائقِ سومرَ الغارقة؛ طينٌ أسودُ تحجّرَ على هيئةِ ذاكرةٍ متفسخة، ونقوشٌ مسماريةٌ تنضحُ ببريقٍ مالحٍ كلّما أحسّت برائحةِ الذعرِ البشريّ، وحصًى أصمُّ يُلقي في روعِ العابرِ حقيقةً غيرَ ملفوظة:
كلُّ قدمٍ تطأُ هذا الوحلَ ليست مسارًا، بل وثيقةُ إدانةٍ في بؤرةِ ذلك التكوينِ الموحش.
كان دبٌّ بنيٌّ جليلٌ يشقُّ الهباء. لم يكن يسعى إلى غايةٍ أو وصول؛ كان يمشي منكفئًا على أثرِ خطواتِ قنفذٍ تائهٍ، يتهجى ما تدونه الأرضُ كما لو كانت تبعثُ إليه برسائلَ مشفرةٍ سرعان ما يبتلعُها الطينِ حين يدنو وعيُه من فكِّ الطلسم.
لم تكن الغابةُ فضاءً حياديًا يتسعُ للدهشة، بل كانت نظامًا ينبذُ السؤالَ ويجرّمه. كانت تُدار بيقظةٍ بوليسيةٍ عبرَ قطعانٍ من الكلابِ السائبة؛ نباحُها لم يكن عواءَ غريزة، بل بنودًا إداريةً تُتلى من أسفارٍ رطبةٍ أفسدها العفن. وحين تتجمعُ تلك الضواري فإنها تشبهُ وحوشًا جائعةً تطلبُ طريدة، لكنها في الحقيقةِ كانت أجهزةً بيروقراطيةً لإدارةِ الأوحال:
تُفرِجُ لكَ عن ممرٍّ ضيقٍ إن أبديتَ الامتثال، وتُحكِمُ الخناقَ على عنقِكَ إن فاحت منكَ رائحةُ التردد. في أعلى سلطةِ النباح، انتصبت ذئابٌ حمراءُ، كائناتٌ بالغةُ الشراسة، لا تنقضُّ بفوضويةِ الوحوش، بل بصرامةِ الإيقاعِ المحسوب. كان حضورُها موازيًا لاشتعالِ الضوءِ الأحمرِ في غرفةِ مراقبةٍ تلفزيونية؛ وميضٌ يُعلمكَ بأنّكَ مُدرَجٌ في كادرِ القنصِ قبل أن تدركَ مبررَ الجريمة.
في قلبِ تلك الرقابةِ الصامتة، كانت تشتغلُ مكائدُ نسقيةٌ تديرُ الكوكبَ بضغينةِ الانتقامِ المؤجل؛ انتقامٌ فجائيٌّ ينفجرُ ثم يخبو، وهندسةٌ باردة:
كلُّ أنينٍ يُسحبُ يصيرُ مادةً أولية، وكلُّ حيرةٍ وجوديةٍ تُصاغُ كاعترافٍ جنائي، وكلُّ معنىً شاهقٍ يُستبدلُ بجملةٍ استهلاكيةٍ تفيضُ بها شاشاتُ الإعلان. كانت الغابةُ تتقنُ تزييفَ الوجودِ بلا جلبة؛ لا تدمّرُ الواقعَ كليًا، بل تعبثُ بترتيبِ مفاصلِه بدهاء، وتتركُ للضحيةِ أن تُكمِلَ حياكةَ الشركِ داخلَ رأسِها المنكوب.
بقي الدبُّ الوقور يتقدّمُ عبرَ دهاليزِ الرطوبةِ حتى اصطدمَ بجسمٍ غريبٍ ينفرُ منه لحمُ الأرض:
منصةِ بثٍّ لتلفزيونِ واقع. عدساتٌ تدورُ كحدقاتٍ آليةٍ باردة، وأسلاكٌ سميكةٌ تمتدُّ بين جذوعِ النخيلِ المتحجرةِ كأنها أوردةٌ صناعيةٌ تضخُّ السائلَ الأسود، وفي بؤرةِ الكشافاتِ الساطعةِ وقفت مذيعة. ابتسامتُها مساميرُ مغروسةٌ في وجهِها، وثقتُها مستعارةٌ من فراغٍ مهول. كائنٌ مدربٌ على ابتذالِ اللحظة، ينتمي إلى ذلك النمطِ التلفزيونيّ الرخيصِ الذي لا يستفهمُ ليكتشف، بل ليختبرَ فيكَ مدى القابليةِ للترويض. رفعت ورقةَ الأسئلةِ البلاستيكية، وقالت بصوتٍ زجاجيٍّ مفرغٍ من النبض:
"مرحبًا بكَ... أيها الضيفُ المجهول. قل للملأ: من تكون؟"
تقدّمَ الدبُّ خطوة، فارتجفت مساماتُ الغابة انصياعًا لهيبةِ الجسدِ الوقور؛ لأنّ السردَ في تلك اللحظةِ استلَّ مديتَهُ ليعيدَ تشكيلَ الماهية: قلبُ الهويةِ المعرفيةِ قبلَ تقطيعِ اللحم. نطقَ الدبُّ بصوتٍ رخيمٍ ثابت، يخرجُ من حَنْجرةٍ كأنه صدى شقوقٍ في قعرِ الأرض:
"أنا القنفذ"
تجمّدَ بياضُ عيني المذيعة. لم تبتسم، ولم تُصدم صدمةَ الأحياء؛ بل شحبت كمن رأى الكلمةَ تهدمُ المتنَ المطبوع. كان الارتباكُ يحفرُ ملامحَها مثل عطبٍ في نسقِ الحسابِ الآلي. تمتمت بصوتٍ يسعى لترميمِ الإطار:
""قنفذٌ ؟ الكاميراتُ لا تكذب، وأنتَ تبدو للملأ دباً بنياً هائلَ الجثةِ! المشاهدون يريدون وزناً، ونوعاً، واسماً يُدرجُ في شريطِ البث؛ فهل تحاولُ تضليلَ الشاشة؟
رمقَها الدبُّ بنظرةٍ عارية من كل استحياء!
الكاميراتُ لا تكذب لأنها عاجزةٌ عن الصدقِ أصلاً؛ هي تلتقطُ السطحَ وتسميه حقيقة. حين تضعينني في خانةِ "الدب"، فأنتِ لا تصفينني، بل تحبسينني في قفصِ الرؤية. الأسماءُ عندكم ليست صفاتٍ، بل أصفاد، وشفراتُ استهلاكٍ تُلصقُ على عنقِ الطريدةِ قبلَ اقتيادِها للمسلخ.
لوحت المذيعةُ بورقتها، وحاولت استدعاءَ صلفِ الشاشات:
لكنك تقفُ داخلَ هذا الكادرِ الآن! البثُّ هو صكُّ الوجودِ الوحيد؛ ومن لا توافقُ صورتُه شروطَ العرضِ يُنفَ إلى العدم. إن لم تكن ما نراه، فأنتَ لا شيء!.
أجابها بصوتٍ يرجّ قواعدَ المنصة:
بل أنتم العدمُ الذي يُفرغُ الأشياءَ من جواهرِها ليبيعَ الفراغ. مردوخُ حين واجهَ تيامات في مطلعِ التكوينِ البابليّ، لم يكن يطلبُ رواجاً ولا إعلاناً؛ كان يريد صياغةَ الإنسانِ لحقِّه في الانتظامِ والمعنى: أن تُقارعَ الظلمةَ بالبرهان، وألا تغدو الحيرةُ جريمةً تُجازى بالموت. كانت الكلمةُ لديه بناءً للكون، لا فخاً لصيدِ العقول. لكنَّ التحوّلَ الأسودَ نبتَ يومَ تسللتِ الكلابُ السائبةُ إلى المتون. استبدلوا الدلالةَ بالصدى، وحوّلوا النصَّ إلى قناعٍ للسلطة، وتركوا القشرةَ لتصيرَ شعاراً مدجناً يصفقُ له القطيع.
تراجعت المذيعةُ خطوة، وقد بدأت أضواءُ الكشافاتِ تصهرُ قناعَ الثقةِ البلاستيكيَّ عن وجهِها، وسألت بنبرةٍ تتقاطعُ فيها الحيرةُ بالخوف:
وما عيبُ الصورةِ إن كانت تمنحُ الكائناتِ شكلاً مفهوماً؟ كيف استولت الكلابُ على الإرثِ إن كان الناسُ قد اختاروا المشاهدةَ بمحضِ إرادتِهم؟
لأنكم حين تذعرون من المجاهيل، تُلقون بأنفسِكم في أحضانِ أولِ إجابةٍ جاهزةٍ تُرمى لكم. وصانعُ الجوابِ المعلّب ، حين يستبدُّ به الجشع ، يأخذُ عقولَكم رهينة. تقولون له:
خذ الحقيقةَ ودعْ لنا التنفس! فيبتلعُ المعنى أولاً، ثم يتركُكم هياكلَ فارغةً تتقاذفُها تياراتُ الاستهلاك. عندئذٍ، يكتملُ المشروع: نظامٌ لا يتكلف عناءَ إظهارِ البطش، بل يجعلُ الخضوعَ طقساً طوعياً تُنتجونه في برامجِكم كلَّ ليلة.
ارتجفت يدا المذيعة:
"وإن أسقطنا الأسماء... ورفضنا كادرَ البث، فماذا يتبقى لنا في هذا الوحلِ الموحش؟"
"يتبقى الشوك والقنفذُ ليس لهما فصيلة في الغابة، بل هما استعصاءُ المعنى على المصادرة، ورفضٌ للتماهي مع القالبِ الذي يصنعُه الأسياد"
هنا، ضربَ العدساتِ تشويشٌ بصريٌّ عنيف. ظلُّ الدبِّ المسكوبُ على الطينِ استحالَ ظلاً لقنفذٍ مشوك، ثم إلى دبٍّ كاسر، ثم إلى مسخٍ شبحيٍّ لا ينتمي لقاموسِ الحيوان؛ ظلٌّ يشبهُ مفردةً لفظتْها شفاهٌ تجهلُ كنهَها. زحفت عدسةٌ مقربةٌ صوبَ وجهِ المذيعة، فرأت عضلاتِ وجهِها تنصاعُ لابتسامةٍ آليةٍ مرعبة، وانفلتَ لسانُها بنبرةٍ غريبةٍ :
"أهلًا بكم من جديد... حلقتُنا الليلةَ تُشرِّحُ أسطورةَ مردوخ!"
صرخت في سرِّها؛حينها أدركتْ أنها كانت المحتوى المعروضَ للسلخ. فالعدساتُ لا تنقلُ الضوء؛ بل تمتصُّ الذات، وتُعيدُ تعليبَها لتلائمَ سوقَ العرض.
أحاطتِ الكلابُ بالمنصةِ بخطواتٍ لزجة، وعيونُها تنبضُ بشررٍ قرمزيّ، وبين فكوكِها رقائقُ طينيةٌ تُحاكي عقودَ بيعِ النفوس؛ كأنَّ الغابةَ تأمرُ الجميع: "لا تفهم... اِبْصِمْ فقط".
انهارت صلابةُ المذيعةِ وتمتمت:
"أنا... أفهمُ في كل الاشياء... "ثم انبلجَ الفهمُ كسكين
مردوخ لم يُصرع في ملحمة، بل قُتلَ بتضييقِ مساحةِ المخيلةِ تدريجيًا. وفي عمقِ الظلمة، ظهرت الغرفةُ الخلفيةُ للمنظومة، جدارٌ من شاشاتِ المراقبةِ يُظهر هيئةَ المذيعةِ بلا ملامح، قالباً مجوفاً، وفوقَ جبهتِها الباهتةِ عناوينُ تُطبعُ بأحرفٍ ناريةٍ ثم تُمحى لتُستبدل. عوى كبيرُ الذئابِ على مقربة، بترددٍ كهرومغناطيسيٍّ اهتزت له جماجمُ الحاضرين:
المشروعُ يطلبُ مادة، والمادةُ تطلبُ لغوًا، واللغوُ يحتاجُ رهنَ الذاتِ على الهواء!
التفتَ الدبُّ نحوَ الشاشات، وأطلقَ جملتَهُ الأخيرةَ كالرصاصة نحو المذيعة:
"إن أردتِ أن تستعيدي ملامحَ وجهِكِ... فاسألي عمن كتبَ الأسئلة"
ثم حدثَ الانطفاء
لم يكن انقطاعًا في التيارِ، بل تلاشيًا كاملًا لجوهرِ الأشياء. انطفأ الحدث، وتلاشتِ النهايةُ بوصفِها خلاصًا مستقرًا. بقيتِ الألواحُ الطينيةُ في الوحل، تزحفُ عليها ميازيبُ الماء، كحروفٍ تائهةٍ تفتشُ عمن يقرأ: مَن أنتَ حين تُطفأُ الكاميرات؟ مَن أنتَ حين يصوغُكَ سيناريو البث؟ ومَن تكونُ حين يستعيرُ الطغاةُ لسانَك؟
بينما كانت الغابةُ تلملمُ ستائرَها خلفَ حطامِ المنصة، أدركتِ المذيعةُ أنَّ النجاةَ لا تكمنُ في الفرارِ من الغابة، بل في تدميرِ السيناريو ذاتِه. غيرَ أنّ الغابةَ كانت تبثُّ في أذنيها الهمسةَ الأخيرة:
"حتى محاولتُكِ لرفضِ السيناريو... قد تمَّت جدولَتُها كإعلانٍ في الحلقةِ القادمة"
ظلَّ الدبُّ شاخصًا في بؤرةِ الضوء؛ لأنَّ الخاتمةَ امتيازٌ حصريٌّ لمن يديرُ المكيدة.







التعليقات