وقفَ أمام المرآةِ يتأمّل تجاعيد وجهه النحيل، بنظّارته السميكة.
أربعون عاماً من التعب والإرهاق، تركتْ وراءها هذا الكمَّ من التجاعيد.
قال يخاطب نفسه:
"لا وقتَ للصداقة، للحبّ، ولا للعواطف أيّها الخفقان الصدئ، فقد بدأ الخريفُ يأكل قِواكَ."
الظلام اندسَّ في داخله، كانتْ نفسه تسكنها الأشباح والهوس.
وجد نفسه مبكّراً عند باب دائرته، يحدّث نفسه بصوت مرتفع:
"لابدَّ أن أتحدّثَ إليها عند مجيئها، أن أصارحها، أعترفُ بأنّي أحبّها."
سمعه أحد الموظفين قائلاً: من هي؟!
قال: "بما إنّنا أصبحنا أصدقاء سأسرّك سرّاً صغيراً.. الأفكار مثل غبار الشوارع يجب أن تنظف ملابسك بعد كلّ جولة في شوارعنا الهرمة؟!"
أجابه: "تأكّدتُ الآن إنّك إنسان مريض.. كيف تجرؤ وأنت في هذه السنّ أن تتحدّث عن فتاة بريئة بعمر ابنتك؟!"
في البدء كان ينظر إليها بفضول، تحوّلت نظراته إلى شهوة عارمة.
ذهب إلى إحدى الصيدليات القريبة يطلب أقراصاً للشجاعة، فنُعِتَ بالمجنون.
قال: "اليوم، يوم الحسم، سوف أكلّمها."
سار وراءها، سمعتْ وقعاً غريباً خلفها.. التفتتْ.
سألته: ماذا تريد؟!
- كلُّ خير، على سنة الله ورسوله!
- احترم نفسك، ولا تسخر من الناس.
وأدارتْ له ظهرها.
قالتْ بارتباك: "أنتَ العفونة التي أمقتها.. إيّاك أن تلاحقني مرة أخرى."
وجلستْ تتوسّط الموظفات، ..وكان صمت الموظفات أبلغ من كل الكلام.
من بعيد شاهدهما أحد الموظفين، جاءه متسائلاً.
قال له: "إنّنا نحبُّ بعضنا البعض واتفقنا على الزواج."
ظلّ على هذا الحال كلّما وبّخه أحد يقول: إنّها تحبّني.
ذات يوم صارحها أحد الفضوليين: هل صحيح أنكم اتفقتم على الزواج؟
قالت: "إنّه يكذب.. وإنّني مخطوبة من شاب مهندس."
تسرّبتْ الأيّام سريعاً، لتأتِ ساعة الخلاص عندما سمع بأنّها سوف تتزوج من شاب وسيم.
انتعل الفشل بدل الحذاء، ومازال في قاع الدهشة.
قال: "أيعقل هذا؟! عليَّ أن أقدّم بطاقات الزواج إلى أصحابي وبأسرع وقت."
ارتدى ملابسه التي اشتراها لهذا اليوم ووضع العطر، تجوّل في الأماكن، يقدّم بطاقات الزواج، والابتسامة لا تفارقه.
يمشي غير عابئ بالسيارات التي تكادُ تدهسه..
فاقد الوعي.. مسلوب الإرادة








التعليقات