انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حادثة

أنوار حسين الدليمي
أنوار حسين الدليمي

قاصة وأديبة عراقية

3 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
حادث
مشاركة:

جفل قليلا عندما كانت الإبرة الدقيقة تخترق جلده، رفع عينيه المنهكتين إلى الممرضة الشابة معاتبًا، والتي أجابته بابتسامة:

- الحمد لله على السلامة

دقائق قليلة احتاجها لكي يستوعب الهدوء الضبابي للفضاء الذي وجد نفسه فيه هائمًا وهو مُلقى على سريرٍ أبيض، ومُحاصرٌ بين أربعة جدرانٍ وسقف أعلى من المعتاد.

حاول أن يقول شيئًا، ولكن بعض الثمالة من صداع خفيف أحجمته عن ذلك، بدأت وخزات جسده وآلام ساقه تسرد له قصة ذلك الحادث اللاذع، رويدًا رويدًا بدأ يستعيد صورة راكب الدراجة وهو يحاول رفعه عن الأرض، ولكن كل ما تلا ذلك ما زال غائمًا قليلًا في رأسه

- كيف وصلت إلى هنا.

- أوصلك الشباب إلى هنا، وكنت ذاهلًا قليلًا ومصابًا بالصدمة.

أخبره الطنين الخافت في أذنيه وبعض الخدوش بأنه لم يكن واعيًا تمامًا في )ما يدور من حوله وقتها.

- وأين الجميع؟؟

وهي تلملم أدوات عملها:

- الجميع ذهبوا مع الشرطة بعد أن اقتادوا صاحب الدراجة الذي تسبب بالحادث معهم.. ولم يبق سوى....

أشارت الممرضة بطرف عينها إلى الجانب الآخر من الغرفة، أدار رأسه بتثاقل ووهن.. يا رباه.. أخذ يحدق في عينيها بدهشة كأنه آفاق من حلم، حاول أن يعدل من وضعه قليلًا.. وبلا إرادة أخذ يجاهد لترتيب شعره ونفض التراب الذي كان يعفر وجهه وملابسه.. حاول التحدث لكنه تلعثم وتزاحم الكلام في فمه كمن حبس لسانه.

- كيف حالُك الآن؟

 سألت نور، بصوت كأنّه ريحٌ لطيفةٌ تُهدّىء من روعه.. وتعلن عن دخول الضوء إلى عالمٍ مُظلم. كانت جميلةً كالقمر في ليلةٍ صافية، عيونها بنيةٌ كأنهما مُحيطٌ من الجمال يُغرق الروح في سحرِهِ.

- أنا بخير، أشكركِ على اهتمامِكِ

 قال ياسر، محاولا إخفاء ارتباكه وراء ابتسامةٍ باهتة.

- لا تقلق، سأكون بجانبكِ طوال الوقت

 قالت نور، كأنها تُبشّرُهُ بأنَّ الظلام سيُزول قريبًا

جلسَت نور بجانب ياسر، تُحاول تخفيف ألمه بأحاديثٍ لطيفةٍ كأنها تُغني له أغنيةً من ألحان الفرح والأمل.

أراد أن يصارحها بأنه...؟ وأنه...؟ وكان على استعداد بأن...؟. لكنه ظل ساكناً برهة مذهولًا..

- أشكركِ جدًا على كل شيء.

 قال ياسر لنور، معبرًا عن امتنانٍ لا ينتهي.

-لا تقلق، ستُشفى قريبًا.

قالت نور، كأنها تُؤكد له أن العالم ما زال جميلًا وأنَّ الأمل ما زال يُمكن أن يُزهر في قلبه.

- يمكنك أن تذهب الآن لتستريح.. لا توجد كسور أو أي شيء ممكن أن يثير قلقك.. فقط عليك الالتزام بالعلاج.

- شكرا سيدتي، سأحرص على تذكيره بالعلاج يوميا.

- صاحب الدراجة موقوف الآن في مركز الشرطة، يمكنك أن تقاضيه.

- لا داعي.. سأعمل على إخراجه في أقرب وقت.. بل قد يكون علي أن أشكره.

- ماذا ؟؟

- لا عليك سيدتي.

في تلك اللحظة أحس بيد تقبض على ذراعه برفق لتساعده على النهوض، شعور غريب غمره عندما لمست أمانيه كتفه لتواسيه، بتلك الابتسامة الحانية والنظرات المؤملة، أسلم لها قياده، وما تبقى له من سنين، ومشى معها وهما يُشكلان لوحةً جميلةً من الأمل والجمال تُنير العالم بجمالها وسحرها.. وتبشر بأيام مشمسة كثيرة في الأفق.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د