لم أكن أظن أن ورقة قادرة على إرباك حياة كاملة.
ورقة واحدة فقط،
اسمها البارد: حجة وفاة.
بدأ الأمر كأنه تفصيل إداري عابر. ذهبت أبحث عنها في الأدراج القديمة، بين أوراق الخدمة العسكرية، وشهادات الدراسة، وبطاقات الهوية التي تراكمت فوق بعضها مثل طبقات غبار لم تُمس منذ زمن.
لكن لا شيء.
لا أثر.
كأنّ وفاة والدي حدثت خارج السجلات، خارج اللغة نفسها.
اتصلت بابن عمّي، كان صوته على الهاتف محايدا، كأنه يقرأ جوابا محفوظا مسبقا. سألته عنها، عن أي وثيقة أو نسخة أو إشارة. قال ببساطة:
"لا يوجد لدينا أي شيء يتعلق بوالدك" .
ثم صمت، كأنه أغلق بابا لم يكن مفتوحا أصلا.
شعرت أن الغياب ليس حالة، بل نظام كامل.
طوال حياتي، لم أفكر في هذه الورقة. ثمانية وستون عاما مرّت كما تمر قطارات لا تتوقف لتسأل عن أسماء الركاب. درست الابتدائية، ثم المتوسطة، ثم الإعدادية، ثم الجامعة. دخلت الجيش أكثر من سبعة أعوام ونصف، خدمت في زمن طويل، كان فيه الجسد يُطلب أكثر من الأوراق.
لا في الخدمة الإلزامية، ولا في الاحتياط، سألني أحد عن حجة وفاة والدي.
لم تكن موجودة في أي خانة من خانات الدولة، ولذلك لم تكن موجودة في ذاكرتي أيضا. لكن أمس، تغير كل شيء. سألني ابني فجأة، كمن يفتح نافذة في جدار مغلق منذ زمن:
"لماذا لا تملك حجة وفاة جدّي؟ "
لم أجب مباشرة.
شعرت أن السؤال لا يحتاج إلى جواب، بل إلى تبرير طويل لحياة كاملة.
ثم قلت له بهدوء:
"لم تكن مطلوبة في أي معاملة رسمية. لكنني، مثلَك اليوم، تفاجأت عندما طُلبت مني لإتمام إجراءات ميراث العائلة " .
كلمة ميراث كانت ثقيلة على لساني، كأنها لا تنتمي إلى سياق الحديث، بل إلى سياق آخر أكثر قسوة، حيث تتحول العائلة إلى ملفات، والدم إلى بنود.
في تلك الليلة، لم أنم. كنت قد نسيت موت أبي، أو ربما لم أنسه تماما، بل تركته في زاوية بعيدة من الذاكرة، كصندوق لا يُفتح إلا عند الضرورة.
الحياة كانت تمشي بسرعة أكبر من أن تسمح لي بالتوقف عند لحظة موته. العمل، الخدمة، العائلة ، الانتقال من مكان إلى آخر، كلها كانت تغطي تلك الفجوة بصمتٍ عملي لا يطرح أسئلة. لكن حجة الوفاة، حين ظهرت فجأة كشرط إداري، فعلت ما لا تفعله الذكريات عادة. لم تستدع الماضي فقط، بل نبشت الأرض تحته. رأيت والدي يخرج من تحت طبقات الغياب، لا كصورة واضحة، بل كظلّ يتشكل ببطء. كان يقف هناك، بيني وبين نفسي، وكأنه لم يمت إلا حين احتاجت الدولة إلى إثبات موته. قال لي بصوت لا أعرف إن كان حقيقيا أم متخيلا:
"لماذا لم تسأل عني؟
لماذا لم تقتفِ أثري حين كنت حيا أو حتى بعد موتي، إلا عندما ارتبط الأمر بالميراث؟ " .
لم أجد جوابا.
فكرت أن علاقتنا بالذكريات ليست نقية كما نظن.
نحن لا نتذكر إلا حين يُطلب منا ذلك، ولا نحزن إلا حين يكون الحزن جزءا من إجراء.
حتى الموت، في النهاية، يحتاج إلى وثيقة كي يُعترف به.
في تلك اللحظة فهمت شيئا بسيطا ومخيفا: ربما لم يكن أبي غائبا طوال هذه السنوات، ربما كان مجرد شخص لم تمنحه الأوراق حق الوجود بعد الموت. وأننا، في العمق، لا نعيش مع من نحبهم، بل مع ما تبقى منهم في الملفات الرسمية.







التعليقات