انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ميلوس ..!!

نشوان عزيز عمانوئيل
نشوان عزيز عمانوئيل

قاص وكاتب عراقي

3 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
ميلوس ..!!
مشاركة:

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن.

مرت الايام وعاش ميلوس سنوات من الرفاه، ارتحل، أحب، قرأ، مارس كل الأهواء. تسلق الجبال في بيرو، سبح تحت شلالات آيسلندا، ورقص في أعيادٍ لا يعرف مناسبتها. أَحبَّ امرأةً في كل قارة، وضحك في كل لهجة. كتب كتبًا ثم مزّقها بنفسه، قائلاً: "ليس ثمة ما أريد أن يُحفظ." الخلود بدا وكأنه مَهرجان أبدي.

لكنه لم يكن يدري أن الزمن لا يضحك طويلاً...

مرت سنوات طويلة آخرى حين بدأت الأسماء تتساقط من حوله. أصدقاؤه الأولون رحلوا، بعضهم شاخ حتى اختفى، وبعضهم اختفى دون وداع. حبيبته الأولى ماتت وهي تبتسم، وقالت: "ربما تُذكرني كلما نظرت للنجوم."، لكنه لم يعد ينظر للسماء.

حينها قرر أن يسافر إلى مدينة لم يعرفها أحد فيها.

بدأ ميلوس يدوّن كل من عرفه في دفاتر كثيفة. وجوه، تواريخ، نكات خاصة، أماكن قُبِل فيها، ومرات بكى فيها. لكن الأوراق كانت أكثر من ذاكرته، فبدأ يكتب أسماء لا يتذكرها، ويقرأ حكايات كتبها هو لكنه لا يشعر بها.

في لحظة يأس، قال: "الذاكرة تموت وأنا أبقى؟ إذًا ماذا بقي مني؟"

في أعوام لاحقة، صار يخاف من الصمت، فكان يشغل موسيقى، راديو، حتى ضجيج القطارات المُسجّل. لكن الضجيج الخارجي لم يكن يكفي لكتم صوته الداخلي الذي يصرخ في الفراغ: "لماذا بقيتُ وحدي؟"

ذات مساء، نظر في مرآة لم تُظهر له شيئًا. لا وجه، لا ظل، لا تجاعيد. فقط فراغ. أرعبه ذلك، لكنه استراح. قال: "إن كانت المرآة لا تعترف بي، فربما لم أعد موجودًا."

تذكر في يوم ما أنه قرر أن يزور مستشفى ولِد فيه منذ مئات السنين. لم يكن موجودًا بعد. تحوّل إلى موقف سيارات. ضحك. ثم جلس على الأرض، ووضع أذنه على الأسفلت، كأنه يسمع صراخه الأول يتردد عبر طبقات الأسمنت.

قال: "كل شيء مات... إلا الصرخة."

بدأ يحلم بأحبابه. لا وجوه لهم، فقط أصوات تقول له: "انضم إلينا." وعندما يركض نحوهم، يستفيق. في كل حلم، تنقص التفاصيل أكثر. لم يعُد يعرف من مات ومن لا يزال حيًّا. قال: "حتى الأحلام بدأت تموت..

أخيراً جلس أمام البحر، يتأمل اللاشيء، وفهم أخيرًا أن النهاية ليست موت الجسد، بل نهاية الحاجة للمعنى. حفر قبرًا بيديه، لا ليُدفن، بل كصرخة احتجاج. دخله، وأغمض عينيه، وعرف: لا أحد سيموت في الخلود، لكن لا أحد سيعيش أيضًا.

جلس ميلوس وحيدًا في غرفته الفارغة، يُحدق في جدارٍ لا يجيب، وفي ساعةٍ لا تتوقف عن دقّ الوقت بلا رحمة. ظل يضحك، ضحكة تفتك بالصمت، ضحكةٍ تفتقد كل معنى لكنها وحدها باقية.

قال بصوتٍ نصف هازئٍ، نصف متعب:

«أنا الرجل الذي لا يموت... ولا يعيش.

أنا الحكاية التي تُروى ولا تُفهم.

أنا البداية التي لم تلد شيئًا، والنهاية التي لا تأتي أبداً.»

ثم أدار ظهره للجدار، وترك الضحكة تتصاعد، تتوهّم في فراغٍ لا ينتمي لأحد.

وفي قلب العبث، كان ميلوس يدرك شيئًا واحدًا:

أن الخلود... ليس إلا نكتة كونية، ووجوده هو أكبر المزحات.

فلماذا يأسى المرء على شيء لا نهاية له؟

ولماذا يفرح على وهمٍ انتهى قبل أن يبدأ؟

ابتسم ميلوس، وغادر المشهد.

والضوء ظلّ يتلألأ... بلا بداية ولا نهاية.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:١٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د
فوتو غراف… !!
سرد

فوتو غراف… !!

شوقي كريم حسن —- ١—- تكوين إفتراضي [ واجب مجنون مثلي أمتهن الكتابة من أجل أنثى غجرية قادته مثل بغل وسط دهاليز ،وقاحات النوايا،وغرابة الأطوار، ليس وصف العالم المائج بالإضطراب والخديعة، بل كشف الجراح التي نحملها نحن الذين نعيش مرغمين،غير عارفين بكيفية الوصول الى طرق الخلاص..التي ظننت جازماً أنه محض…

· 7 د