انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ومضات

(قصص قصيرة جداً)

صالح البياتي
صالح البياتي

قاص وروائي عراقي

6 دقائق للقراءة
20 مشاهدة
ومضات
للفنان نزار الحطاب
مشاركة:

العباءة

نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك، وأشار بيده، ركضت المرأة، لكن السارق هرب بعيداً، عادت للبيت فوجدت قطتها قد ألتهمت السمكة ولم تبق لها سوى قطعة الخبز.

متسلق الجبل

كان في المؤخرة، مع فريق المتسلقين للجبل، توقف ليرتاح قليلاً، لكنه فقد ذاكرته مؤقتاً، أحتار: هل كان قبل توقفه صاعداً للأعلى أم نازلاً للأسفل! جلس على صخرة يفكر ولكنه لم يصل لنتيجة  ، حتى عاد الفريق ونزل الجبل معهم .

تبخرت الفكرة

كان بيده قلم رصاص وأمامه ورقة بيضاء، وفي رأسه فكرة تُلِّح عليه ان يكتبها، إنكسر سن القلم، قبل أن يكتب شئ، تألم حين رَآه على الورقة، مكسوراً بلا حركة، قام ليبحث عن المبراة، حين وجدها راح يبحث عن القلم والورقة، إستغرق ذلك وقتاً، وحينما إجتمعت أدوات الكتابة الثلاثة بيده تبخرت الفكرة وطارت من رأسه.

   هوس

كان بعد قبوله لاجئاً؛ في أحدى الدول الموقعة على أتفاقية جنيف للاجئين ، مهووساً بجمع الأوراق : صحف محلية مجانية ، بروشورات يلتقطها من عيادات أطباء العائلة ، مجلات الدعاية والترويج للمنتجات والسلع المخفضة الأسعار وغيرها ، حتى تجمعت لديه أكوام منها، ملأت غرفة  فارغة  بكاملها ، في الشقة التي إستأجرها والمؤلفة من غرفتين ، ينام في الآخرى ، بإنتظار قدوم عائلته للإلتحاق به ، كان يفتح  كل يوم ، صندوق بريده عند مدخل العمارة  ، وجد فاتورة الكهرباء  وأوراق أخرى ، كالتي يجمعها أينما وجدت ، أخذها وصعد بها  للشقة ، فتح الباب وإتجه للغرفة المليئة بالأوراق ، جلس وسط الأكوام التي غطت الأرضية تماماً ، رِن  جرس التلفون ، رمى الفاتورة مع الأوراق ، وأسرع ليلتقط السماعة ، بعد إنتهاء المكالمة ، نسي الفاتورة لعدة أيام ، حتى إختفت تحت أوراق جديدة ،  ثم  أستلم فاتورة آخرى ، بديلة عن الأولى ، تتضمن تنبيه  يحثه على دفعها خلال فترة محددة ، وبخلافه سيدفع غرامة أضافية ، وكالعادة رماها في الغرفة  مع أوراق آخرى ونساها ، لكنه تذكرها في الليل، فقام  ليفتش عنها ، وقضى ساعات حتى وجدها ، قرر أن يذهب غداً للبريد القريب من العمارة ليدفعها هناك . وفي الصباح فتح صندوق بريده فوجد فاتورة آخرى بديلة ولكن مع الغرامة .

علبة السجائر

طلب الأب من أبنه الشاب أن يذهب ليشتري له علبة سجائر وأعطاه ثمنها، عاد الأبن وبيده كيس برتقال اشتراه بثمن علبة السجائر، غضب الأب فقال الأبن، لو حدث العكس يا أبي وأرسلتك لتجلب لي سماً، هل ستلبي طلبي، سكت الأب، وتعلم درساً من الأبن، ومنذ ذلك اليوم إمتنع عن التدخين..

حربي

 إلتقى (أ) بصديقه (ب) في المكتبة المحلية، بعد إفتراق طويل دام لسنوات عديدة، كان لقاءاً حارا، لكنه لسوء الحظ، نسى أسم صديقه القديم، وخجل أن يسأله عن إسمه، فسأله عن السنة التي غادر فيها العراق ومتى جاء لاجئاً لهذا البلد الأجنبي، أنتبه (أ) أثناء الحديث مع صديقه (ب) الى عين صديقه اليمنى فسأله: متى فقدت عينك هذه؟  أجاب: في السنة الأخيرة من الحرب، بسبب شظية صغيرة، عند تلك النقطة من الحديث تذكر (أ ) أن أسم صديقه (ب) هو " حربي " 

وحلَّ السلام

كان يستمع لنشرة الأخبار من الفضائية العراقية ، وَهَذَا  ما يفعله عادة المغترب عن الوطن ، أما زوجته فكانت تكلم صديقتها على الهاتف ، وكان  ( قدر الدولمة )  يتكتك على موقد النار ، كانت النشرة الإخبارية عن عمليات تحرير الموصل ، تخللتها مقابلات مع القادة العسكريين الميدانيين  ، وأهالي المناطق المحررة  شرقي الموصل ، إستغرقت  النشرة وقتاً طويلاً ، وكان هو يتابع الأخبار بإهتمام ،  أما هي فقد  نسيت قدر الدلمة وتفرع حديثها مع الصديقة في إتجاهات شتى، ولم تنتبه حتى لحظة إحتراق الطبخة ، وإنتشار رائحة الدولمة الطيبة  ، تملأ البيت ، عندها أنتبه الإثنان ، وراح كل منهما يلوم  الآخر وينسى حاسة الشم التي كانت سبب إحتراق القدر ، كاد أن ينشب بينهما عراك ، وكانت هي في موقعها الإستراتيجي في المطبخ أكثر تسليحاً منه ،  والنصر سيكون حليفها حتماً، لو نشبت  المعركة  لا سمح الله ، وأثناء ذلك أنتهت  النشرة وقال المذيع : والسلام ... فإنطفآت نار الحرب في البيت وحل السلام بينهما .

وأنا أحبك أيضا

   تحابا في بغداد وتزوجا في عمان ، وحصلا على اللجوء الإنساني للسويد ، وأنجبا طفلهما الأول  في أستكهولم ، وتعاهدا يوم ولادته ، أمام الله على الإخلاص لبعضهما ،  ورعاية المولود الجديد ، وقد أنضم الزوج بعد وصوله بفترة قصيرة ، الى دورة تأهيلية للتخلص من الآثار السلبية والنفسية للحرب والعنف ، أثناء وجوده في العراق ، وبعد شفائه من جروح  الحرب ، تعلق قلبه بالفتاة السويدية الشقراء  الجميلة، العاملة في دورات  تأهيل اللاجئين ، تمهيداً لإدماجهم بالمجتمع الجديد، وأعطتهم رقم موبايلها ، للإتصال  بها،  للمساعدة عند الحاجة ، فأخذ  يرسل لها رسائل قصيرة ، كرر فيها جملة واحدة تعلمها باللغة السويدية ( أنا أحبك ) ، كانت الفتاة تتجاهل رسائله دون أن تجرح شعوره  ، لأنها تعرف من تجارب العمل  مع اللاجئين ، أشياء كثيرة عن المشاكل النفسية والعاطفية التي يعانون منها، بسبب الحرمان وظروف الحياة القاسية في بلدانهم  ، وفي إحدى المرات بعث نفس نص الرسالة :

(أنا أحبك) الى زوجته، دون أن ينتبه للخطأ الذي وقع فيه، فتلقى منها الجواب باللغة العربية: (وأنا أحبك أيضاً)، قرأ الرسالة مندهشاً، وإكتشف الخطأ فندم، وعندما عاد الى البيت كان يحمل بيده لأول مرة، باقة ورد جميلة لزوجته، وأستمر على هذه العادة الجديدة، لا يفوت مناسبة خاصة دون أن يقدم لها باقة من الزهور الجميلة. 

جسر الشهداء

قطع جسر الشهداء ماشياً، من جهة الرصافة الى الكرخ، في منتصف المسافة توقف، عندما رأى تجمعاً وراء الحاجز الحديدي، كانوا ينظرون لمياه النهر الجارية، في تلك الظهيرة الشتائية الباردة، نظر حيث كانوا ينظرون، فرأى رجلاً يلوح يائساً بيده، يوشك على الغرق، رمى نفسه للنهر، وأسرع لإنقاذه، فوجئ به عندما وصل اليه، يا إلهي.. الجلاد الذي كان يعذبنا.. يعذبني عندما كنت سجينا سياسيا، فكر ماذا يفعل؟ أيتركه ليغرق أم ينقذه !؟، أنتصرت تلك اللحظة إرادة الخير، فسحبه للشاطئ وأجرى له الإسعافات الأولية حتى إستعاد وعيه، وحين رفع رأسه ليعرف منفذة، رأى السجين الذي كان يعذبه بكل قسوة وشراسة، لم يقل شيئاً، تبادل الإثنان النظرات، ولكنهما إفترقا بمشاعر لا يمكن التعبير عنها بالكلمات.

الأخوان

   كان الأخ الأصغر ، يجر الكبش السمين من قرنيه ، وأخوه الأكبر أمامه ، يحمل سلة  خضار على رأسه ، وبإحدى يديه سلة  فاكهة منوعة ، كانا يحثان الخطى للمعبد، لتقديم هداياهم للكاهن ، وقبل وصولهما نادى الأخ الأصغر أخاه الأكبر  وطلب منه أن يتوقف ، قال : أخي أنت مزارع مثابر في عملك ،  وبذلت قصارى جهدك ، ولكن للأسف ، لم يحالفك الحظ هذا الموسم  ،  وأنا راع ، أذهب بعيداً ، حيث يتوفر الكلأُ والماء لأرعى قطيعي ، وقد خالفني الحظ ، وكان موسماً جيداً ، فتكاثر  ، فخذ هذا الكبش السمين وبادلني بهاتين السلتين الذي  ذبل ما فيهما وفقد نضارته ، شكر أخاه الأصغر ، وعادا يداً بيد ، بعد أن قدما هداياهم  ،  كان الأكبر مسروراً ، والأصغر مطمئناً لأنه إستطاع أن يُطفئ  نار الحقد والحسد في قلب أخيه .

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:١٤ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
فوتو غراف… !!
سرد

فوتو غراف… !!

شوقي كريم حسن —- ١—- تكوين إفتراضي [ واجب مجنون مثلي أمتهن الكتابة من أجل أنثى غجرية قادته مثل بغل وسط دهاليز ،وقاحات النوايا،وغرابة الأطوار، ليس وصف العالم المائج بالإضطراب والخديعة، بل كشف الجراح التي نحملها نحن الذين نعيش مرغمين،غير عارفين بكيفية الوصول الى طرق الخلاص..التي ظننت جازماً أنه محض…

· 7 د