تمور حمورابي
طويتُ البرَّ
في الليلِ مرتحلاً،
معي كانت تمورٌ من حمورابي،
متاهاتُ أسِرْ حدّونَ
شموعٌ من غلالاتٍ ليحيى
باقةُ الآسِ من الخضْرِ،
من الأم تمائمُ
صرّةُ من زادنا القرويِّ
همسةٌ من جارتي
دمعٌ من الأختِ
وصايا من صديقٍ في زقاق المحلةِ
قطعةٌ من شمسنا الأولى
وثوبٌ من خيوطٍ بلِيتْ وخليقةْ
فسافرتُ لأطوي كلّ ذاك الإغترابِ
بخطوةٍ كانت معبأةً بريحٍ حرّةٍ وطليقة.
يأتي كالشيخ
يأتي
كي يجلسَ قربي
ويحدّثني
عن ذكرىً عابرةٍ،
عن أحذيةٍ تُركتْ في الوحلِ،
عن المدفأة الغازيةِ،
عن بابٍ مشقوقٍ
تتسرَّب منه الريحُ،
عن اليخنةِ
والماشِ المهروسِ
بقرب الموقدِ ...
كان يحدّثني دوماً
عن أشياءَ بعيده
هذا الماضي
الجالسُ كالشيخِ
يقصُّ حكاياهُ عليَّ،
أنا الساهرُ في الحاضرِ،
منتظراً فجراً آخرَ .
الوصول الى الحافة
ووصلتُ الى الحافةِ،
أعرجَ
بعد طوافٍ
في طرقاتٍ لا تحصى،
في بلدانٍ
لا يعرفها أحدٌ غيري
لا نجمَ لها
لا طيرَ يلوحُ
ولا شجراتٌ تتعاطى الظلَّ...
خطايَ اكتهلتْ
جرّاء السيرِ المتوارثِ في البلوى،
وأخيراً أصلُ
الى الحافّةِ
لأحدّقَ في هاويةٍ
لا قعرَ لها
هي نفسي.
العودة الى الخامسة
لو أعودُ الى الخامسةْ
لعبرتَ التلالَ طليقاً
ومسحتُ الغبارَ
عن القلبِ
في لحظة ناعسةْ
لو أعودُ الى اللعثماتِ
الى الطينِ
ألهو بهِ
قرب تلك الرؤى
حاضناً شجراً،
شارباً نجمةً
قاضماً قمراً،
كون دربي بريئاً
يؤدي الى لغةٍ دامسةْ
لاعباً
لاهياً
لا هموم هناكَ
ولا شقوةٌ تعتريني
سوى غيمةٍ داعبتْ
بالنثيث فمي
فارتوت شفتي اليابسةْ
لو أعودُ الى الخلفِ
خمسينَ عاماً
لكنتُ ركضتُ
بكلِّ قوايَ الى لعبةٍ في المحلةِ
ألثمُها
وألاعبها في الزقاق
وفي التلِّ
تحضننا نجمةٌ حارسةْ
لو أعودُ
الى حيث كنتُ غشيماً
ومستلباً من مرايا الحياةِ
لفزتُ
ونلتُ هنا حاسّة سادسةْ.
عاشق الجبال
الى رسول حمزاتوف
كأنّ الجبالَ تقاصرتْ
وضؤلتْ
لتنزل معه الى المثوى
فالقممُ تواضعتْ
والذرى ترجّلتْ
الى القاعِ
والتجلّةُ ائتلقَتْ
إجلالاً لرحيل حمزاتوف
عاشقُ داغستان...
الجبالُ
والطروسُ المبهمة
تلك التي أرضعته
نسيمَ النسور
ستنزلُ معه الى القاع
لتحيطه في العالم الآخر .
حامل المصباح
في الليلِ
قطارُ البلداتِ
يجيءُ بطيئاً
كي يتوقف
في الحالِ
يجيءُ الحامل مصباحاً يدويّاً،
يتفقّدُ كلّ العجلاتِ،
يجسّ السكّة
والقاطرة الأولى
هذا الرجلُ المبهمُ
لا شكل له
غير سمات المصباحِ
وهالتهِ الكبرى
يعملُ في الليلِ
كخُلدٍ،
في الظلمة
يحلمُ
ويعيشْ.
الكنَف
ولدتُ هنا
منذ خمسينَ عاماً
ولم أبرح الدارَ ...
ذات صباحٍ جميلٍ
ليوم فريدٍ
سئمتُ حياتي
هنا خلف جدران داري،
لهذا خرجتُ
لكيما ألاقي الحقيقةَ
تلك التي خلتها
فتنةً
جنّةً
سحرَ أسطورةٍ
تبهر الناظرينَ
ولكنني في الحقيقةِ،
لم ألقَ خلف الجدار المُسوّرِ،
غير حياةٍ ممزّقةٍ
فالفريسةُ
ينهشها بشرٌ،
دمويّون
مفترسونَ
غليظونَ
لا يشبعونَ،
فعدتُ سريعاً لبيتي
لأني رأيتُ الحقيقة .
سقوا الصخر
جلسوا صامتينَ
حزانى /
الوجوهُ تجاعيدها بالمئاتِ،
لقد حرثتها السنواتُ
وكدَّتْ طويلاً
هنا تحت ضوءِ النجومِ،
همو زرعوا الأرضَ بالأغنياتِ،
سقوا الصخرَ،
كي يتورّد
الرملَ كي يستحيلَ
الى ذهبٍ ...
ذهبوا للأقاصي
ليستحلبوا الضوءَ
من قممٍ في الجبالِ،
همو الآنَ
يجتمعون معاً صامتينْ
لم تدُرْ
كلمةٌ في الجلوسِ الطويلِ
ولم يحفلوا بالضجيج الذي صار
يأتي من الشرفاتِ،
كأنّ الكلامَ انتهى منذ دهرٍ،
فقط ينظرونَ
الى بعضهم،
ربما يومئونَ
الى نجمةٍ وشراعٍ،
الى الوقتِ
كيف يجفُّ
وييبسُ بين الكراسي .
أرشّ الملحَ على الليل
لا طعمَ هنا
لليوم العابرِ،
والفصلُ يمرُّ
بلا رائحةٍ،
ولهذا سأرشُّ الملحَ
على الليلِ،
ليغدو مقبولاً
في جرعته الأولى ...
هأنذا أشربهُ
في قدحٍ عملاقٍ أسودَ،
أشربُهُ
حتى أمسيَ
لا مرئياً
بين حشود المرئيين .
نقّار الخشب
أمسكُ طيراً،
يقتاتُ بمنقارٍ
جدُّ دقيقٍ
حشراتٍ
يقتاتُ
رحيقَ الأزهارِ،
أحدّقُ فيهِ،
أرى تحت جناحيهِ،
نشارةَ أخشابٍ
تِبناً
قَشّاً
عيداناً يابسةً
غُمِسَتْ بأريجْ
أمسحهُ بالريحِ
وأطلقُ نقّارَ الخشبِ
بغاباتٍ أخرى
كي ينقرها بالتدريجْ.







التعليقات