انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المعرفة بين الفكر اللاهوتي والميتافيزيقي والوضعي

د. عدنان عويد
د. عدنان عويد

كاتب وباحث سوري

5 دقائق للقراءة
17 مشاهدة
المعرفة بين الفكر اللاهوتي والميتافيزيقي والوضعي
مشاركة:

لقد ظلت مسألة اكتساب المعرفة عبر تاريخ الفكر والفلسفة, قضيّة إشكاليّة, تمثلت هذه الاشكاليّة في السؤال المشروع والاجابة عنه, وهو كيف تشكلت المعرفة وكيف نمت وتطورت وتحولت إلى قوة تفرض سيطرتها على الفرد والمجتمع, وتحدد سلوكهما ومجموعة القيم الروحيّة التي يتحلون بها,

بداية لا بد لنا أن نؤكد على مسألة أساسيّة هنا وهي: ليس من السهل بمكان على الباحث أن يتقصى كل المواقف الفكريّة الفلسفيّة التي اشتغلت على هذا الاتجاه. أي على تتبع المواقف التي نظرت في كيفّيّة تشكل المعرفة ومكانة ودور العقل والتحربة العمليّة والحسيّة في إنتاجها. وبالتالي لا بد لنا أن نقف هنا عند أهم تلك المواقف لعلها تقدم لنا الغرض المعوّل عليه في هذه الدراسة المتواضعة.

المعرفة بين الفكر اللاهوتي والميتافيزيقي والوضعي

يعتبر برأي أوغست كونت هو أول من اشتغل على هذا الاتجاه عندما وضع مراحل لتطور طريقة تناول الفكر, وذلك بتقسيمه هذه المراحل إلى ثلاثة وهي:

1- المرحلة اللاهوتية.

2- المرحة الميتا فيزيقية.

3- المرحلة الوضعيّة أو العلميّة.

أولاً: العقل في المرحلة اللاهوتيّة:

اعتبر "أوغست كونت" العقل نتاج المرحلة الاولى من التطور البشري, حيث كان الانسان يفكر فيها – أي المرحلة -  بطريقة غيبيّة, لاعتقاده بأن الطبيعة تسير وفق أهواء ورغبات قوى خفيّة مفارقة للطبيعة بشقيها الطبيعي والإنساني وتتحكم فيها، وهذا يعني أن هناك حتميةً غيبيةً (مفارقة للواقع) تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه الطبيعة, مع وجود اعتقاد أيضا لدى بعضهم في مرحلة لا حقة, بأن للمصادفة  دوراً هاماً في تحديد هذه السيرورة والصيرورة. والعقل في الفكر اللاهوتي الديني وخاصة في الفكر الإسلامي الأصولي منه على سبيل المثال لا الحصر, لا يخرج في الحقيقة عن هذا التصور للعقل اللاهوتي في مرجعياته. حيث ورد حديث للرسول أورده أبو هريرة يقول فيه عن مرجعية العقل ودوره ومكانته في حياة الإنسان:" لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلَ قَالَ لَهُ : قُمْ ، فَقَامَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اقْعُدْ فَقَعَدَ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا خَلَقْتُ خَلْقًا خَيْرًا مِنْكَ ، وَلا أَكْرَمَ مِنْكَ ، وَلا أَفْضَلَ مِنْكَ ، وَلا أَحْسَنَ مِنْكَ ، بِكَ آخُذُ ، وَبِكَ أُعْطِي ، وَبِكَ أُعِزُّ ، وَبِكَ أُعْرَفُ ، وَإِيَّاكَ أُعَاتِبُ ، بِكَ الثَّوَابُ ، وَعَلَيْكَ الْعِقَابُ " .)

إن العقل هنا معطى الهيّا فرضته حتمية جبريّة من خارج التاريخ البشري, أي منحه الله وجسد فيه القدرة على تحديد مسار الإنسان ومآله. وبالتالي لا يوجد أي دور لحياة الإنسان ونشاطه, في تشكيل هذا العقل, أو تحديد مساره ومآله. (وعلم آدام الأسماء كلها). وهذا ما يسمى فلسفياً بالمثاليّة الموضوعيّة.

المعرفة بين الفكر اللاهوتي والميتافيزيقي والوضعي

ثانياً: العقل في الميتافيزيقيّة:

      إن العقل الميتافيزيقي في المعرفة, وفق هذه المرجعية يمثل قدرةً قائمةً بذاتها, ومفتوحاً على كل الأفاق, وهو – أي العقل الميتافيزيقي - منذور لحدوسه وتأملاته الباطنيّة الذاتية، أي منذور لفكره الشخصي، ولأصالته ككائن متفرّد، ولا يمنع هذا من استرشاده واستفادته من فكر الآخرين. لكنه في كل الأحوال، غير ملزم بما يقوله هؤلاء وأولئك، أو ما يجري في الواقع من أحداث وتأثيرها على الإنسان ذاته وفكره, بل هو سيد تأملاته، حتى لو لم توصله هذه التأملات لشيء ذي بال. (أنا أفكر إذاً أنا موجود). وهنا تتجسد (المثاليّة الذاتيّة) في هذا العقل الميتافيزيقي, وهي عقليّة معرفيّة تقوم بإنتاج المعرفة من ذاتها كما أشرنا أعلاه. رغن أن "ديكارت" يقر بأن هناك معارف أوليّة مسبقة موجودة في عقل الإنسان منذ ولادته. ولكن يظل العقل المستقل هو من ينتج النسبة الأكثر من الأفكار.

     لقد انتقل الانسان مع العقل الميتافيزيقي (المثالي الذاتي), أي من التفكير بطريقة غيبيّة تعتمد الخيال والاستسلام للقدرات الغيبيّة كما هو الحال في العقل اللاهوتي، الى التفكير بطريقة (تأمليّة) مجردة تعتمد على العقل في صيغته المثاليّة الذاتيّة (الديكارتية). وفي هذه المرحلة كف العقل البشري في أنموذجه هذا عن تفسير الظواهر بقوى غيبيّة مفارقة لها, وافترض أن هناك قوىً خاصةً بكل ظاهرة منفردة, كامنة فيها وملازمة لها. فاذا كان الانسان في مرحلة العقل اللاهوتي يعتقد أن ظاهرة نمو النبات, أو احتراق الخشب مثلاً ترجع الى إله النار أو إلى الله في مرحلة لاحقة، فانه في مرحلة العقل الميتافزيقي يفسر ظاهرتي النمو والاحتراق بقوى كامنة فيهما، فالنبات ينمو لان فيه قوة النماء، والخشب يحترق لان فيه قوة الاحتراق ..الخ. ومع ذلك لم يستطع العقل هنا أن يتخلص من أسر الوهم والخيال للخروج إلى عالم الحياة الحقيقة, عالم نشاط الإنسان ودوره في تكوين العقل وتحديد سماته وخصائصه الواقعيّة.

ثالثاً: العقل الوضعي:

     في هذه المرحلة التاريخيّة التي وصل فيها العقل الإنساني إلى أنموذج التفكير الوضعي, يكون قد وصل هذا العقل إلى مرحلة متقدمة في نضوجه, حيث ترك أو تجاوز العقل الوضعي فيها الطرقَ القديمة في تفسير الظواهر (اللاهوتية والميتافيزيقية) وبدأ يفسرها بطرق قائمة على المعطيات العلميّة التي أنجزها الإنسان, وهي معطيات قائمة على الملاحظة والتجربة ومسترشدة بالعيني والمحسوس.

     إن العقل في المرحلة العلميّة " الوضعيّة " يطرح على نفسه سؤالاً أساسيّاً وهو: ماهي العلاقة السائدة بين الظواهر الطبيعيّة ؟ والسبب في هذا الطرح هو الوصول الى معرفة وتحديد القوانين المتحكمة في الطبيعة والمجتمع موضوعيّاً, بيد أنه لم يستطع الخروج من أسار خضوع الطبيعة الى (حتمية) ما, تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه القوانين, وبالتالي يظل الهاجس المعرفي في هذا العقل الوضعي قائماً ومشروعاً لديه من خلال التأكيد على أن معرفتنا التي تخضع لشروط هذه الحتميّة ستمنحنا قدرة التأثير على الظواهر أو التنبؤ بما قد يطرأ عليها من تغير. فإذا كان العقل مثلا يفسر ظاهرة " الندى" في المرحلة اللاهوتية تفسيرا أسطوريّا باعتباره (دموعا لآلهة الصباح)، ويفسرها في المرحلة الميتافزيقيّة بأنه يتساقط من السماء ليلاً, فإن العقل في المرحلة الوضعية (العلميّة) استطاع أن يدرك بأن العلاقة العلمية بين اختلاف درجات الحرارة في الليل والنهار, وبين تولد الندى في النبات, هي من يسبب طاهرة الندى. وهكذا يكون الحال بالنسبة لتفسير الظواهر الطبيعيّة الأخرى. إذن لقد سيطرت أو فرضت روح القوانين العلميّة بحتميتها هذه نفسها على مسألة التعامل مع الظواهر الخاضعة للبحث, وبالتالي فقد العقل اللاهوتي والميتافيزيقي دورهما بالبحث وتقويم الظواهر  هنا. 

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال
آراء

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال أ.محمد إبراهيم الزموري لم يعد الحب يموت بالضرورة لأن أحدًا توقف عن الحب. أحيانًا يموت لأن العالم من حوله أصبح سريعًا إلى درجة لا تسمح له بأن ينضج. يبدأ الحب اليوم في زمن يريد كل شيء فورًا: الاستجابة الفورية، المتعة الفورية، الاختيار الفوري،…

· 9 د
واقعية الثبات والسيولة الرقمية
آراء

واقعية الثبات والسيولة الرقمية

أ.د محمد كريم الساعدي في عالم اليوم، لا يوجد فضاء حاكم بين الواقعي والافتراضي إلا بعملية التكوين الخاص بحدود السلوك والأخلاقيات في المجالات كافة، سواء أكان على المستوى النخبوي أم على المستوى الشعبي. لكن لكل فضاء من الفضائيين حدوده ومتبنياته الفكرية التي تنعكس على بناء الرؤية المرتبطة بتشكيل الفهم…

· 15 د
التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ
آراء

التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ

بداية أقول: حتى لا أتهم بأني من الذين يؤمنون بالنزعة الاقتصادويّة في تفسير حركة التاريخ المجتمعي, فأنا أومن بالعلاقة الجدليّة بين الواقع والفكر أولاً., وبأن كل مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة تؤثر ببعضها بعض بعلاقة جدليّة ثانياً, كونها كلها تسير عبر سيرورتها وصيرورتها…

· 5 د